التخطيط

عمارة الحصار | سياسات عزل الأحياء العربية في يافا

نشأت المدن العربية الساحلية، وعلى رأسها مدينة يافا وفق النمو العضو للمدن، حيث كان الفراغ المعماري يتشكل كاستجابة مباشرة للاحتياجات الاجتماعية والإنسانية. ففي نموذج يافا تلتف البيوت حول الساحات. وتنمو الأزقة كشرايين حيوية تصل بيت الخاص والعام. مما خلق نسيجاً متصلاً. تاريخياً تميزت يافا بعمارة التراكم حيث يكمل كل مبنى سردية جاره، مشكلاً توازناً بصرياً وحركياً يحترم طبوغرافيا الأرض وعلاقتها بالحجر. ومع تبدل القوى السياسية تعرض هذا النسيج لغزو عمارة ميكانيكية تتبنى فلسفة السيطرة بدلاً من فلسفة السكنى.

سياسة تفتيت الأحياء السكنية في يافا

تعتمد سياسة التفتيت على مبدأ كسر استمرارية الوجود العربي. فقد تم تنفيذ المخطط الهيكلي رقم 2660 في حي العجمي في يافا. الذي عمل على تحويل الأحياء المتصلة الى جزر معزولة، وتظهر هذه السياسة بوضوح في انشاء الطرق السريعة العريضة التي تخترق قلب الأحياء القديمة. هندسياً لا تهدف هذه الطرق الى تسهيل الحركة بقدر ما تهدف لخلق حواجز نفسية ومادية تمنع التواصل الاجتماعي الفطري بين سكان الحي الواحد.

وفقاً لدراسات المركز العربي للتخطيط البديل فان هذه الشوارع تعمل بمثابة مشارط جراحية تقطع الروابط الوظيفية والخدماتية داخل النسيج العربي، مما يحول الحي من وحدة حضرية متكاملة الى شتات عمراني.

الاستيطان الرأسي للمستوطنات على حساب البيوت العربية بهدف المراقبة وانتهاك الخصوصية
الاستيطان الرأسي للمستوطنات على حساب البيوت العربية بهدف المراقبة وانتهاك الخصوصية

الاستيطان الرأسي كأداة خنق

تعد الكتل الخرسانية الضخمة وسيلة أخرى للضغط على النسج العربي. ففي الأحياء العربية بيافا واللد فرضت مشاريع سكنية شاهقة تتبنى طراز الباوهاوس أو الحداثة الإسرائيلية المتطرفة، والتي تتسم بالضخامة والعدوانية البصرية. تزرع هذه المباني كحواجز رؤية تحجب البحر عن الأحياء العربية الأصلية، وتلغي الامتداد البصري الذي كان يمثل جزءاً من الهوية العمرانية للسكان. يفرض هذا النوع من المباني حالة من الدونية المكانية حيث يجد البيت العربي نفسه محاصراً بكتل اسمنتية صماء تسرق منه الضوء والخصوصية وهو ما يصفه المعماري إيال وايزمان في نظريته الهندسة المعمارية للاحتلال بأنها وسيلة للسيطرة من خلال السيادة الرأسية.

قانون التجميد

يواجه الفلسطيني في مدن الداخل تحدياً بنيوياً في غياب المخططات الهيكلية المحدثة. في حين تزدهر المناطق المحيطة بمخططات حديثة تسمح بالتوسع، لتبقى الأحياء العربية خاضعة لمخططات قديمة تعود لعقود، مما يجعل أي إضافة معمارية أو ترميم يعد مخالفة قانونية. يؤدي هذا الحصار التنظيمي الى طاهرة التآكل الذاتي للنسيج العمراني العربي، حيث يضطر السكان لاستخدام مواد بناء رخيصة أو حلول انشائية عشوائية ليسد حاجتهم للسكن، مما يشوه المظهر الجمالي للحي ويجعله يبدو كعشوائية في نظر القانون، تمهيداً لاصدار أوامر الهدم أو التحسين الحضري الذي يطرد العرب من الحي.

ان ما يحدث في يافا وحيفا ليس تطوراً عمرانياً طبيعياً، انما هو تطويع لأدوات الهندسة لخدمة أهداف سياسية. فالمدن العربية التي نمت كالأغصان لخدمة السكان يتم اليوم استبدالها بشبكات حديدية تخدم المراقبة والضبط الأمني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى