تصميم داخلي

من الشرق للغرب | هل الديكور لغة عالمية؟

هل الديكور لغة عالمية عابرة للقارات؟ وهل يمكن للتصميم الداخلي أن يكون له تصميم عالمي موحد؟ تبدو اتجاهات التصميم الداخلي اليوم وكأنها لغة عالمية تنقلها وسائل التواصل الاجتماعي بين القارات خلال ثوانٍ، لكن الواقع المعماري أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. في الحقيقة يمكن للخطوط و الألوان أن تسافر عبر الشاشات، لكن المواد وطرق التنفيذ والبناء تظل محكومة بقوانين جغرافية وثقافية صارمة. فما ينبض بالحياة والكفاءة في مناخ وثقافة معينة، قد يتحول الى عبء تشغيلي لمجرد عبوره الحدود. فالأمر لا يتعلق بأفضلية ذوق على آخر، بل بفيزياء المكان وسلوك الانسان داخل فراغه. اذن فقد تفشل بعض العناصر وظيفياً في الانتقال بين المدارس الشرقية والغربية. ومنها:

لمعان الجدران

جدار داخلي مدهون بطلاء ربع لامع ناعم بلون بيج، يبرز تداخل الضوء الطبيعي من النافذة.
جدار داخلي مدهون بطلاء ربع لامع ناعم بلون بيج، يبرز تداخل الضوء الطبيعي من النافذة.

يدور جدل كبير بين مدرسة الدهانات الطباشيرية والمخملية المطفية بالكامل Matte /Flat السائدة في الغرب، وبين تفضيل الشرق لدهانات الساتان ونصف اللامع. فالغرب ذو مناخ بارد ونسب غبار شبه منعدمة في الأجواء، مما يسمح للأسطح المطفية والطباشيرية بامتصاص الضوء بهدوء ودون صيانة معقدة. في المقابل يفرض المناخ الشرق الصحراوي أو الساحلي بيئة محملة بالأتربة والغبار وسلوكاً عند أهل الشرق يعتمد على غسيل الجدران عند تنظيفها بصفة دورية. لتصبح الكفاءة التشغيلية لصالح دهانات Eggshell والساتان، لأنها الخيار الوحيد الذي يضمن ديمومة السطح ومقاومته للاحتكاك دون أن يفقد الطلاء خواصه الكيميائية.

كساء الأرضيات

الديكور في صالة معيشة مودرن بأرضية خشبية دافئة مغطاة بسجاد قطعي رمادي أسفل أريكة مريحة بيضاء.
الديكور في صالة معيشة مودرن بأرضية خشبية دافئة مغطاة بسجاد قطعي رمادي أسفل أريكة مريحة بيضاء.

يظهر هنا التصادم بين ثقافة الموكيت الكامل المفضلة عند الغرب والأرضيات الصلبة كالرخام والبورسلان المفضلة عند الشرق. فالموكيت الكامل في البيئات الغربية الباردة هو ضرورة تقنية لتوفير العزل الحراري Thermal Insulation ودعم أنظمة التدفئة، في بيئة خارجية نظيفة ومغسولة بالأمطار والثلوج. لكن عند نقل هذا النظام الى بيئة شرقية حارة ورطبة. يتحول الأمر الى كابوس بيئي يمتص الرطوبة في الجو ويحتجز الأتربة مما يجعله بيئة خصبة لعث الفراش. فالمناخ الصحراوي الجاف والمحمل بالأتربة والمناخ الصحراوي ذو مستويات الرطوبة المرتفعة يفرض استخدام أرضيات صلبة يسهل تنظيفها بالماء مع الاعتماد على السجاد العادي كعنصر جمالي يمكن رفعه وتهويته.

ديكور المطابخ

مطبخ خشبي معاصر يتميز بوجود باب زجاجي منزلق ذكي لعزل الروائح وفصل المساحات الداخلية.
مطبخ خشبي معاصر يتميز بوجود باب زجاجي منزلق ذكي لعزل الروائح وفصل المساحات الداخلية.

أما هنا فيظهر التصادم في تصميم مطابخ مغلقة أو شبه مفتوحة والمطابخ المفتوحة بالكامل. فيصمم المطبخ الغربي أو ما يسمى بالمطبخ الأمريكي ليكون امتداداً للصالة نظراً لكون ثقافة الطهي هناك تعتمد على الوجبات السريعة البسيطة ذات أبخرة قليلة وزيوت منخفضة. أما المطبخ الشرقي فيعتمد على القلي والتوابل والطبخ لفترات وبكميات أكبر. فدمج المطبخ الشرقي بالكامل دون فواصل ميكانيكية يتسبب في ترسب الزيوت على أثاث الصالة وتغيير خواص دهانات الجدران.

حجم وعدد قطع أثاث الديكور

أريكة زاوية مودرن مريحة بلون بيج فاتح، مزينة بغطاء خردلي وطاولة قهوة زجاجية دائرية.
أريكة زاوية مودرن مريحة بلون بيج فاتح، مزينة بغطاء خردلي وطاولة قهوة زجاجية دائرية.

يتجلى الاختلاف الجغرافي في تصميم كتل الأثاث Furniture Mass وعدد قطعه داخل الفراغ الواحد، بحيث يحدث التصادم بين الشرق الذي يفضل بقطع أثاث بحجم طبيعي وقطع متعددة، وبين الغرب الذي يفضل عدد قطع أثاث قليل ولكنه ضخم. ففي الغرب صمم الأثاث بقطع محدودة جداً، غالباً ما تمون أريكة رئيسية وممتدة. يخدم هذا التوزيع نمط نواة العائلة الصغيرة، حيث تترك بقية المساحة فارغة تقريباً للشعور بالاتساع. على النقيض تماماً فالثقافة الشرقية قائمة على التجمعات العائلية الممتدة والمناسبات الاجتماعية مما يتطلب أثاث بقطع متعددة، منفصلة، وسهلة التحريك بحيث يسمح بإعادة التشكيل لاستيعاب أعداد متغيرة في بعض الظروف.

الإضاءة والعناصر الديكورية

غرفة معيشة دافئة تبرز أنظمة الإضاءة المخفية والسبوتات الغاطسة لتوزيع الضوء بشكل مريح ليلاً.
غرفة معيشة دافئة تبرز أنظمة الإضاءة المخفية والسبوتات الغاطسة لتوزيع الضوء بشكل مريح ليلاً.

نصل هن الى عمق الادراك البصري بين ثقافة الشرق والغرب، حيث تصطدم رغبة الغرب في الإضاءة الخافتة والظلال العميقة، بحاجة الشرق الى الوضوح البصري التام والغنى الديكوري. ففي الغرب تعتمد الفلسفة الغربية على الاضءاة المحيطة الخافتة للغاية عبر مصابيح ديكورية وانارة جدارية ضعيفة، مخلفة وراءها مساحات واسعة من الظلال. يحاكي هذا الأسلوب طبيعة مناخهم الغائم نهاراً ويبعث الدفء ليلاً، ومتكاملاً مع عناصر ديكورية شديدة البساطة مثل لوحة وحيدة ضخمة.

أما في الشرق فالاضاءة الخافتة والظلال الكثيفة تترجم شعورياً الى الكآبة وضيق المساحة. فطبيعة الأنشطة الشرقية والجمعات العائلية تفرض وجود اضاءة عامة وغامرة وقوية للفراغ لتمنح شعوراً بالحفاوة والاتساع. ومن هنا فالمصمم الداخلي الشرقي يتبنى أنظمة الإضاءة متعددة الطبقات، حيث توظف الاضاءات المخفية في مسارات الجبس، والثريات المركزية كعنصر ديكوري وثقافي، والكشافات الغاطسة ، مما يمنح ربة المنزل مرونة فائقة في تحويل الفراغ من بيئة نشطة وساطعة الى بيئة هادئة ومسترخية بكل بساطة.

ان عجز هذه العناصر الديكورية عن عبور الحدود الجغرافية يثبت أن التصميم الداخلي الناجح لا يقاس بمدى مواكبته لصيحات منصات التواصل الاجتماعي، وانما بمدى تجذره في واقع الأرض والمناخ وثقافة الانسان الذي يستخدم الفراغ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى