التخطيط

إبادة المكان | كيف أعادت الحرب تخطيط غزة؟

لا يمكننا قراءة التخطيط الحضري لمدينة غزة كعملية هندسية جامدة، وانما هو صراع يومي بين رغبة المكان في البقاء وبين قوى تسعى لمحو أثره. في غزة يتجاوز المخطط الحضري حدود المسطرة والقلم، ليصبح وثيقة سياسية تثبت أحقية الجسد في الحيز المكاني. ان ما تعرضت له المدينة ليس مجرد دمار للأبنية الاسمنتية بل هو محاولة لكسر المنطق الحضري الذي تعايش معه الغزيون لعقود، وتحويل النسيج الاجتماعي المعقد الى مساحات من الفراغ القسري والركام الصامت.

مورفولوجيا غزة قبل الحصار والمحو

يتكون قطاع غزة حضرياً من خمس محافظات وهي شمال غزة، غزة، الوسطى، خانيونس، ورفح. وتتشكل في مجموعها واحداً من أكثر الأنظمة الحضرية تعقيداً في العالم. على مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، يقطن أكثر من 2.2 مليون نسمة/ وبكثافة سكانية متوسطة تصل الى 6000 نسمة /كم مربع، وتتجاوز في مخيمات مثل “جباليا” و”الشاطئ” حاجز ال 50.000 نسمة /كم مربع، هذا التراكم البشري خلق نسيجاً عمرانياً عضوياً فريداً، حيث تتداخل مراكز المدن التاريخية مع المخيمات التي تحولت بمرور الزمن من لجوء مؤقت الى أحياء حضرية صلبية، مشكلة هوية بصرية تعتمد على التقارب الشديد وضيق الأزقة، مما عزز روابط اجتماعية واقتصادية متينة كانت هي المحرك الأساسي لحياة المدينة.

زلزال الحرب وإعادة هندسة الدمار

أحدثت حرب الإبادة على قطاع غزة شرخاً بنيوياً في هذا التخطيط، فالقصف الممنهج لم يستهدف المباني كوحدات منفصلة، بل استهدف الأعصاب الحضرية فتدمير الميادين العامة وشبكات الطرق الرئيسية والمراكز الحيوية كالمستشفيات والجامعات أدى الى ما يعرف ب Urban Atomization أي تحويل النسيج المتصل الى جزر معزولة. خلق هذا الدمار ما نسميه بالفراغات الأمنية الاصطناعية داخل الكتلة العمرانية، وتهدف الى كسر الترابط الجغرافي وتسهيل عمليات المراقبة والسيطرة، ليضرب المفاهيم الحضرية التي بنيت عليها المدينة تاريخياً.

سيكولوجيا النزوح وعشوائية الايواء

أدى النزوح القسري لأكثر من 85% من السكان نحو جنوب القطاع الى انهيار المعايير التخطيطية للمحافظات الخمس، فقد تحولت رفح قبل السيطرة عليها والمواصي من مناطق ذات كثافة منخفضة أو زراعية الى مراكز حضرية اضطرارية تكتظ بآلاف الخيام والوحدات المؤقتة. هذا الانتقال خلق ضغطاً هائلاً على البنية التحتية كالمياه والصرف الصحي، وأدى الى نشوء تخطيط استجابة لحالة الطوارئ يفتقر لأدنى مقومات الحياة الحضرية المستدامة. ان مخيمات الايواء اليوم لا تمثل حلاً سكنياً بقدر ما تمثل تشوهاً حضرياً وانتهاكاً لكرامة الغزيين سيعيد رسم خارطة غزة لسنوات طويلة، بحيث تصبح المساحات المفتوحة والزراعية مستوطنات بشرية مكتظة يصعب اخلاؤها أو تنظيمها مستقبلاً.

الرؤية المعمارية- نحو سيادة عمرانية واعية

في ظل هذا المحو تبرز الحاجة لتبني رؤية معمارية لا تكتفي بالحلول التقنية بل تنحاز للأصل الصواب في مهنتنا. ان الانحياز للهوية البصرية لغزة يعني رفض أي مخطط شمولي يحاول تحويل الأحياء المدمرة الى بلوكات صماء ومنمقة تفتقر للروح وللذاكرة، كما يحدث في مشاريع إعادة الاعمار التجارية حول العالم. ان الأمانة المهنية تقتضي أن يكون التخطيط القادم سيادياً ينبع من داخل الركام، باحترام الملكيات الصغيرة وإعادة احياء الطرقات الفرعية كقيمة اجتماعية ودفاعية، وللانتصار لكرامة المواطن الغزي في استعادة حيزه المكاني الأصلي. ان التميز المعماري الحقيقي في غزة هو الذي يرفض الإبادة المكانية ويحول إعادة لااعمار الى فعل استرداد للذاكرة والسيادة على الأرض.

وأخيراً فان إعادة الاعمار في غزة ليست مجرد رصف للطرق وبناء لمجموعة متنوعة من المباني وانما هي عملية استرداد للمكان. ويكمن التحدي الحقيقي أمامنا كمعماريين في القدرة على حماية روح وشخصية المدينة لا في إيجاد التمويل.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى