العمارة

Quinta Monroy | هندسة الفقر أم سيادة المكان؟

تتجلى العمارة في أرقى صورها حين يتم وضع البنية التحتية التي تسمح للحياة بالتشكيل والنمو، لا حين تفرض صروحاً منغلقة. يبرز مشروع كينتا مونروي Quinta Monroy للمعماري التشيلسي أليخاندرو أرافينا ومجموعته ELEMENTAL كأحد أهم المختبرات الحضرية المعاصرة. ففي قلب مدينة ايكويكي الساحلية شمال تشيلي. نشأ نزاع مكاني وسياسي معقد اذ احتلت 100 عائلة أرض في مركز المدينة لثلاثة عقود، مما وضع المعماري أمام معضلة كلاسيكية اما القبول بطرد السكان للحفاظ على قيمة الأرض، أو ابتكار نموذج يضمن بقاءهم في مركز النشاط الاقتصادي بميزانية حكومية ضئيلة لا تتجاوز 10,000 دولار لكل عائلة.

الفلسفة التصميمة للمشروع

انطلق أرافينا من فلسفة نقدية ترفض الإسكان الاجتماعي التقليدي الذي يعامل الفقراء كأرقام في وحدات كرتونية ضيقة تؤدي الى تدهور القيمة العقارية بمرور الزمن. وبدلاً من فرض رؤية جمالية فوقية، تبنى أرافينا المنطق التفاوضي عبر مفهوم العمارة المتزايدة. حيث طرح سؤاله الفلسفي: لماذا لا نبني نصف منزل جيد بدلاً من منزل كامل سيء؟. اعتمدت هذه المقاربة على توفير البنية التحتية الصعبة التي يعجز الساكن عن بنائها بنفسه. وترك البنية السهلة للنمو العضوي، محولاً المعماري الى وسيط يوزع الموارد المحدودة بذكاء.

الهيكل الانشائي

اعتمد الوصف المعماري للمشروع على تقسيم الوحدة السكنية الى جزءين متميزين ضمن سلسلة المباني المجمعة Row House. انشائياً ارتكز المشروع على الهيكل الخرساني المسلح والكتل الخرساني لبناء الهيكل المتين الذي يتحمل التوسعات المستقبلية. قام أرافينا بتصميم المنازل بحيث أبقى مساحة بين المبنيين تعادل المساحة المبنية، مما خلق فراغاً مؤطراً ومحمياً قانونياً وهندسياً.

والوصف الفراغي للمشروع أنه تتكون كل وحدة من طابقين، الأرضي للخدمات كالمطبخ ودورة المياه والعلوي للمعيشة. لا تكمن الجمالية هنا في الكتلة المبنية بل في الفراغ البيني الذي يسمح للساكن بملئه مستقبلاً دون المساس بسلامة الهيكل الانشائي أو حقوق الجيران البصرية.

التحديات التي واجهت المعماري

واجع المكتب المعماري تحدي تحقيق كثافة سكانية عالية تتمثل في 100 عائلة على 5000 متر مربع دون الانزلاق الى فخ “الغيتو” الحضري، وقد تم حل هذا الصدام عبر هندسة الفراغات الجماعية Collective Spaces حيث تلتف الوحدات حول ساحات داخلية مشتركة تملكها العائلات جماعياً. هذا التنظيم لم يكن جمالياً فحسب، بل أداة وساطة خلقت شعوراً بالمسؤولية المشتركة وقللت من الاحتكاك البشري السلبي. محولةً النزاع المكاني الى تآلف وظيفي داخل بيئة محكومة بخصخصة واعية للفراغ.

العائد الاجتماعي والاقتصادي

على عكس مشاريع الإسكان النمطية، أثبت كينتا مونروي أن العمارة يمكن أن تكون أداة للترقي الطبقي. ففي غضون عدة سنوات ضاعف السكان مساحاتهم السكنية بجهود ذاتية منظمة مما أدى الى ارتفاع القيمة السوقية للمنازل من 10,000 دولار الى أكثر من 20,000 دولار في وقت قياسي. ولم يعد الساكن مجرد متلقٍ للخدمة، بل أصبح شريكاً ومستثمراً يشعر بالسيادة الكاملة على مساحته لأنه شارك في اكمال ملامحها.

يظل مشروع كينا مونروي البرهان المادي على أن نجاح المعماري لا يقاس بالشكل النهائي للمبنى بل بمدى مرونة المنصة الفراغية التي يقدمها للإنسان. لقد تنازل أرافينا عن “الأنا” المعمارية التي تنشد التماثل مقابل “عشوائية منظمة” تعبر عن حياة الناس الحقيقية. ان التميز المعماري الحقيقي هو الذي يرفض إخفاء الواقع وبدلاً منه يقوم بمنحه هيكلاً كريماً ينم معه، مؤكداً أن دورنا هو توفير الاطار الذي يسمح للحياة بالازدهار لا سد الطريق أمامها بالكتل الصماء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى