
هندسة الدوران | لماذا نصعد الدرج عكس عقارب الساعة؟
في ممارستنا اليومية كمعماريين غالباً ما نغرق في جدليات الكتلة والفراغ، وننشغل بجماليات الواجهات وتفاصيل الانشاء، لكننا نغفل عن أعظم الأكواد المعمارية هي تلك التي استلهمها أسلافنا من بيولوجيا الجسد البشري. فنحن نصمم تفاصيل نعتبرها اليوم مسلمات تصميمة ونعيشها كأناس عاديين بآلية مفرطة، دون أن ندرك أن وراء كل درجة سلم أو اتجاه ممر دراسات علمية ونفسية وفلسفية عميقة، ربطت حركة الجسد وحركة الكون.
الدرج: أكثر من مجرد وسيلة انتقال
يعد الدرج أحد أكثر العناصر المعمارية صدقاً فهو الفراغ الذي يختبر الانسان قدراته الفيزيائية وعلاقته بالجاذبية. من هنا يبرز تساؤل تقني غائب عن ذهن الكثيرين: لماذا يتجه الدرج في أغلب التصاميم نحو اليمين؟ أو بتعبير أدق لماذا نفضل الصعود في مسار يدور عكس عقارب الساعة؟
تشير الدراسات الفيزيولوجية وعلوم الأنثروبومترية الى أن حركة الانسان تتأثر بشكل مباشر بتمركز أعضائه الحيوية. فالقلب الضي يميل موقعه نحو اليسار، يضخ الدم في مسار دوراني معين. ومن الناحية العلمية عندما نتحرك في مسار دائري عكس عقارب الساعة أي من اليمين الى اليسار، فاننا نقلل من قوة الطرد المركزي المؤثرة على تدفق الدم نحو القلب.
هذا التوافق الحيوي يؤدي الى تقليل شعور الانسان بالاجهاد والتعب أثناء صعود الدرح. فالمعماري الذي يراقب الطبيعة بانصات، أدرك أن الجسد البشري يرتاح في هذا الاتجاه، وفي الصعود العكسي تكون القدم اليمنى وهي الأقوى والأكثر تحكماً لدى أغلبية البشر هي التي تقود الحركة في القوس الخارجي مما يعطي توازناً ميكانيكياً أفضل للعمود الفقري.
والأمر لا يقتصر فقط على ضخ الدم بل يمتد الى سيكولوجية الفراغ. ففي الفلسفات القديمة كان الدوران عكس عقارب الساعة يمثل محاكاة لحركة الأجرام السماوية ودوران الأرض حول الشمس. وفي العمارة الدينية والجنائزية نجد أن المسارات الدائرية غالباً ما تتبع هذا النمط لتعزيز الشعور بالسكينة والانسجام الكوني.
ومن الناحية النفسية يميل العقل البشري لتفضيل المسارات التي توفر رؤية استباقية، فعند الصعود لليمين في اتجاه عكس عقارب الساعة ينكشف الفراغ المعماري للعين البشرية بطريقة تسمح بمعالجة البيانات البصرية بجهد أقل، مما يقلل من حدة التوتر المرتبطة بتغيير الارتقاعات.
ويدنا التاريخ باستثناءات تؤكد ذكاء المهندس القديم، ففي القلاع القروسطية كان الدرج يصمم أحياناً مع عقارب الساعة، والمراد هنا الدفاع لا الراحة، فكان الهدف هو إعاقة المهاجم الصاعد الذي غالباً ما يمسك بسيفه بيده اليمنى. مما يجعل جدار الدرج يعيق حركته، بينما تعطي الأفضلية للمدافع النازل من الأعلى. هذا التناقض يثبت أن المعماري لا يصمم بالصدفة بل يطوع الاتجاه لخدمة الغرض الوظيفي الأهم للمبنى.
ان التفاصيل التي نعيشها اليوم ولا نلاحظها، من زاوي ميل درجات السلم الى اتجاه دورانها، هي تراكم معرفي حول ماهية الجسد البشري. فالمدينة الذكية والمنزل المريح ليسوا أولئك الذين يمتلكون أحدث التقنيات بل الذين صمموا ليحترموا الإيقاع البيولوجي لساكنيها.




Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.