
سيكولوجية العتبات | كيف تروض العمارة المشاعر؟
لا تبدأ تجربة أي مبنى من داخله، بل من اللحظة التي يقرر فيها الجسد اختراق الفراغ عبر بوابته. ان المدخل في الفكر التصميمي ليس مجرد نقطة وصول أو ثقب في الجدار، وانما هو منطقة انتقالية Transitional Zone بين ضجيج العالم الخارجي وسكينة الفضاء الداخلي. المعماري الحقيقي لا يصمم الأبواب لمرور الأجساد ككتل مادية بل يصممها للتحكم في الحالة الذهنية والنفسية للداخلين. نتحدث هنا عن البرزخ المعماري ذلك الحيز الضيق الذي يجبر الزائر على خلع هويته الخارجية. ان العتبة هي النوتة الافتتاحية في سيمفونية الفراغ، وبدون تصميم دقيق لهذه اللحظة الانتقالية، يظل المبنى جسماً غريباً لا ينجح في احتواء الروح البشرية.
رهبة المقياس
ان التردد الذي نشعر به أمام القاعات الكبيرة أو المعابد الضخمة ليس خجلاً، بل استجابة بيولوجية موثقة في دراسات الادراك الفراغي Spatial Perception تعرف برهبة المقياس. فعندما ينتقل الانسان من فضاء ضيق كالممر الى فضاء شاهق الارتفاع فجأة. يواجه الدماغ انفجاراً بصرياً يعجز عن معالجته فوراً، مما يعطي أمراً للجسد بالتباطؤ لاعادة معايرة أبعاده بالنسبة للمكان.
نجد هذا بوضوح في كنيسة رونشامب Ronchamp للمعماري لو كوربوزيه، حيث صمم مدخلاً صغيراً ثقيلاً يشعرك بضاءلة القياس لتدفعك العتبة فجأة نحو فضاء داخلي يلعب فيه الضوء والارتفاع دوراً في ارباك الحواس وتصغير حجم “الأنا” البشرية أمام عظمة الفراغ. المعماري هنا يوظف هذا التردد عمداً ليخلق حالة من الانفصال عن دنيوية الخارج.
آلية الضغط والتفريع وتلاعب الدوبامين
لتعزيز هذا الأثر النفسي يعمد المعماريون الى تقنية الضغط والتفريغ Compression and Release وهي تقنية برع فيها المعماري الأمريكي فرانك لويد رايت في منزله الشهير فيلا سافوي أو فيلا الشلال، نجد أن المداخل والممرات ضيقة جداً وسقوفها منخفضة بشكل يثير القلق (الضغط) وبمجرد عبور العتبة نحو غرفة المعيشة ينفتح الفراغ أفقياً ورأسياً وتنكشف الطبيعة عبر الزجاج (التفريغ).
تشير دراسات علم الأعصاب المعماري Neuro-architecture الى أن الانتقال المفاجئ يحفز الجهاز العصبي على افراز الدوبامين نتيجة الشعور بالتحرر من القيد. وهنا المعماري لا يبني فراغاً كبيراً فحسب، بل يصمم لحظة الانعتاق التي تجعل القاعة تبدو في عين الزائر أكثر اتساعاً وجلالاً مما هي عليه في الواقع بسبب التباين مع ضيق العتبة.
العتبة كفلتر أمني واجتماعي
بعيداً عن الرهبة تلعب العتبة دوراً في تحقيق الاستقرار الفراغي والخصوصية. وفي العمارة الإسلامية التقليدية يعمل المدخل المنكسر Bent Entrance كآلية لتحقيق الخصوصية البصرية Visual Privacy حيق يقطع محور الرؤية المباشر ويمنع الاختراق البصري للفراغات الداخلية، هنا يعزز المدخل المنكسر من الشعور بالاحتواء والفصل التدريجي عن الخارج.
في المقابل نجد أن المعماري ميس فان دروه في منزل فارنزورث Fransworth House حاول الغاء العتبة لصالح الشفافية المطلقة، ورغم جمالية التصميم الا أن الدراسات النفسية اللاحقة أشارت الى أن غياب العتبة جعل الساكن يشعر بحالة من العراء الفراغي حيث تلاشت الحدود بين أمان الداخل وانكشاف الخارج. وهذا يثبت أن الانسان يحتاج سيكولوجياً الى خافة تعلن للعقل البشري أنه دخل في منطقة الحماية.
العتبة والذاكرة الروحية للمكان
يتجاوز المعماري تادو آندو في متحف شيبو غاناي المفهوم التقليدي للعتبة كحد فيزيائي، محولاً إياها الى تتابع فراغي متعدد الحواس من خلال توظيف الكتل الخرسانية المصمتة والتحكم في البيئة الصوتية عبر خرير المياه، بحيث يتم خلق حالة من العزل السمعي -البصري عن المحيط الخارجي. هذا المسار الطولي يعمل كفراغ انتقالي يفرض تطهيراً ذهنياً بحيث يجبر الزائر على تجربة الزائر على تجربة الانتقال التدريجي قبل الوصول الى النقطة المركزية للعمل الفني.
تؤكد دراسات “الفينومينولوجيا” المعمارية أي علم الظواهر أن جودة العتبة هي التي تحدد مدى ارتباطنا بالمبنى. فالمبنى الذي يفتقر لعتبة واضحة ومدروسة هو مبنى فاقد للذاكرة، لا يترك أثراً في الروح لأنه لم يمنحنا فرصة للتحول النفسي أثناء العبور.
ان نجاح أي عمل معماري لا يقاس بمتانة جدرانه أو حداثه مواده، بل بمدى قدرته على إدارة الرحلة الشعورية لمستخدميه. العتبة هي النوتة الأولى في هذه السيمفونية فالمعماري الذي يفهم سيكولوجية العبور هو وحده القادر على تحويل الحجر الصامت الى تجربة إنسانية نابضة. فنحن لا ندخل المباني لنشغل حيزاً فراغياً بل لنجد حيزاً سيكولوجياً يحتوينا. وهذا الاحتواء يبدأ من أول دقيقة نضع فيها أقدامنا علينا حيث يسلمنا المعماري ببراعة من يد الواقع الى خيال المعماري.




Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.