التخطيط

صراع السيادة | عمارة الينابيع المسلوبة

لطالما كانت الينابيع النواة التي تتشكل حولها المدن والتجمعات الإنسانية، وفي العمارة العربية والإسلامية تحديداً كانت الاستدامة المائية هي الشرط الأول لتخطيط المدن. وينص الفكر العمراني القديم على أن المدينة لا تستقيم الا بتوفر 3 أركان: مصدر مياه دائم، حماية طبيعية، ومساحات للتبادل التجاري.

فالقرية الفلسطينية لم تنشأ عبثاً بل كانت تتمحور حول الماء. من عين كارم الى عين يبرود، كان الينبوع هو الفراغ العام الفطري الذي يجمع الناس. اليوم نشهد تحولاً بنيوياً في وظيفة الينبوع، حيث لم يعد مصدراً للحياة بل أصبح نقطة ارتكاز لمعركة معمارية وسياسية تهدف الى إعادة تعريف الجغرافيا.

هندسة الحرمان من الينابيع

وفقاً لتقارير منظمة أوتشا OCHA لعام 2024 هناك أكثر من 56 ينبوعاً في الضفة الغربية تعرضت للاستيلاء الكامل أو التسييج من قبل المستوطنين. هندسياً يتم الاستيلاء على الينابيع عبر 3 مراحل

  • التسييج والعزل: حيث يتم بناء أسوار وبوابات حديدية تقطع المسار الطبيعي الذي اعتاد الفلاحون سلوكه للوصول الى الماء.
  • إعادة التشكيل البصري: يتم تغيير البيئة المحيطة بالينبوع عبر إضافة عناصر معمارية غريبة عن المكان، مثل المقاعد الخشبية ذات الطراز الأوروبي. والمظلات القرميدية لتبدو المنطقة كأنها متنزه وطني تابع لمنظومة الاستعمار.
  • المسارات السياحية المصطنعة: يتم رسم خارطة طريق هندسية تجبر الزائر على سلوك ممرات معينة تتجنب رؤية القرية الفلسطينية المجاورة مما يخلق عزلاً بصرياً كاملاً للمكان عن أصحابه.
عين الحنية من الينابيع المهمة لقرية الولجة
عين الحنية من الينابيع المهمة لقرية الولجة

القدس وعين الحنية

تعد عين الحنية نموذجاً صارخاً للجريمة المعمارية، حيث تم تحويل منطقة تاريخية تضم آثاراً كنعانية ورومانية وبيزنطية الى متنزه مغلق. وقد قامت سلطة الآثار بالتعاون مع بلدية الاحتلال بانشاء جدران استنادية ضخمة ومواقف للسيارات. مما غير من طبوغرافيا الأرض. مما منع أهالي قرية الولجة الملاصقة للعين من دخولها، بالرغم من أنها تاريخياً كانت الرئة المائية لأراضيهم الزراعية. هذا الفصل المعماري حول الينبوع من مورد طبيعي الى أداة سيطرة تمنح الرفاهية للمستوطن وتفرض العطش على صاحب الأرض. وقد تم الاستيلاء على عين الحنية على مراحل

  • قبل 2010: كانت العين مشاعاً لأهالي قرية الولجة للري والتنزه وتوثيق الذاكرة الكنعانية والرومانية.
  • 2010-2013: بدأت أعمال التنقيب من قبل سلطة الآثار وكيرن كايمت لفرض رواية تاريخية أحادية.
  • 2018: تم الانتهاء من بناء جدار أمني وبوابة تفتيش، ونقل حاجز عين يالو العسكري لضمان وقوع العين خلف الجانب الإسرائيلي.
  • 2021 وما بعدها: حولت المنطقة الى متنزه وطني يمنع أصحاب الأرض من دخوله، وتم تغيير الطبوغرافيا ببناء مواقف السيارات ومسارات اسمنتية تقطع صلة الوصل التاريخية بالقرية.

ان ما يحدث في الينابيع الفلسطينية هو إعادة تعريف قسرية للفراغ العام، حيث يتم تحويل المشاع المائي من مورد حياتي الى أداة فصل مكاني. ان حماية هذه الينابيع هو حماية الركيزة الأولى التي قامت عليها القرية الفلسطينية والتي ربطت الفلسطيني بأرضه لآلاف السنين. ورفضاً لنمط العمارة الاقصائية التي تحول الماء الى رفاهية للمستعمر وعقوبة للسكان الأصليين، مما يجعل الصراع على الماء صراعاً على البقاء بحد ذاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى