العمارة

BMO Field | إعادة صياغة التجربة الرياضية

يقع ملعب بي ام أو فيلد BMO Field في مدينة تورنتو Toronto ضمن مقاطعة أونتاريو Ontario في كندا، وتحديداً فوق الأراضي التاريخية لساحة المعارض Exhibition Place المطلة على بحيرة أونتارية. بهدف تأسيس منشأة وطنية مخصصة لكرة القدم والرياضات الميدانية، ولتكون المعقل الرئيسي لنادي Toronto FC ونادي Toronto Argonauts لكرة القدم الكندية.

وبموجب اشتراطات الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA التي تحظر الأسماء التجارية للمنشآت أثناء البطولات العالمية، سيحمل الملعب اسم ملعب تورنتو Toronto Stadium خلال منافسات مونديال 2026.

تعرض الملعب لسلسة من القراءات النقدية المتفاوتة منذ افتتاحه. في بداياته اعتبر بعض النقاد أن التصميم الأولي ركز على الكفاءة الوظيفية أكثر من صناعة هوية معمارية مميزة. حيث ركز التصميم على الكفاءة الاقتصادية دون الالتفات للمظهر الحيوي. الا أن النقاد في مجلات عالمية مثل StadiumDB عادوا للاشادة بالمنشأة بعد التوسعات الكبرى معتبرين الاستاد نموذجاً متطوراً لعمارة الاحياء الهيكلي المستمر، حيث نجح في التحول من استاد محلي بسيط الى ساحة دولية متعددة الرياضات، على الرغم من أن بعض النقاد يرون في كثرة التعديلات نوعاً من التشظي الجمالي نتيجة دمج طرز انشائية من حقب مختلفة.

منظور علوي لملعب BMO Field
منظور علوي لملعب BMO Field

مورفولوجيا ووصف المبنى

تحولت شركات معمارية كبرى هندسة وتطوير هذا المبنى عبر مراحل زمنية مختلفة، حيث صمم الهيكل الأصلي مكتب BBB Architects / Brisbin Brook Beynon Architects بينما قاد مكتب Gensler العالمي عمليات التوسعة الانشائية الضخمة واضافة السقف.

  • السعة الاستيعابية: بدأ الملعب بسعة تبلغ 20.000 متفرج، وارتفعت الى 30.000 متفرج للاستخدام المنتظم. ولتلبية شروط المونديال تم رفع السعة عبر مدرجات إضافية لتصل الى 45.736 مقعداً.
  • المساحة المبنية: يشغل الهيكل مساحة تقارب 45.000 متر مربع ضمن النسيج العام لساحة المعارض.
  • سنة الانشاء والتطوير: افتتح الملعب في عام 2007 وخضع للمرحلة الأولى والثانية من التطوير بين عامي 2014 و 2016 تلتها التجهيزات للمونديال الحالي.
  • التكلفة الاجمالية: بلغت تكلفة التشييد الأولية حوالي 62.9 مليون دولار كندي، في حين تطلبت عمليات التوسعة اللاحقة واضافة المظلات الفولاذية ما يتجاوز 120 مليون دولار كندي.

الفلسفة التصميمية BMO Field

تمحورت الفلسفة التصميمية الأولى حول البساطة والاتصال المباشر بالجمهور عبر الاقتراب الأقصى للمدرجات من خطوط الملعب. محاكاةً للاستادات الإنجليزية التقليدية. وقد تمثل التحدي الأكبر في كيفية تحويل منشأة مصممة حصرياً لرياضة واحدة وهي كرة القدم الى ملعب هجين يستوعب أبعاد ملاعب كرة القدم الكندية الأوسع نطاقاً، مع الحفاظ على معايير الفيفا الصارمة للمونديال.

أوجد المعماريون حلولاً إبداعية ارتكزت على هندسة المدرجات المتحركة. كما واجهوا معضلة ضيق المساحات الأفقية المتاحة في الطرف الجنوبي، مما دفعهم الى ابتكار نظام ميكانيكي يسمح بسحب أجزاء من المدرجات السفلية وإعادة تركيبها حسب نوع الحدث الرياضي.

كما شكلت الظروف المناخية لمدينة تورنتو والمعروفة بالرياح الشديدة القادمة من البحيرة والبرودة القارسة تحدياً آخراً فتمت إعادة صياغة زوايا الرؤية والكتل الهوائية عبر فلسفة الانفتاح المحمي، حيث تركت زوايا الاستاد مفتوحة لضمان الاتصال البصري مع أفق المدينة، بينما صممت الأسطح العلوية كدروع لكسر حدة الرياح الساحلية.

التفاصيل الانشائية لملعب BMO Field
التفاصيل الانشائية لملعب BMO Field

النظام الانشائي للملعب

يتكون النظام الانشائي للملعب من وعاء خرساني سفلي مسبق الصنع Precast Concrete Bowl يرتكز على أساسات عميقة من الأوتاد الخرسانية. وتكمن العبقرية الانشائية في السقف الفولاذي الضخم الذي أضيف لاحقاً في عام 2016، حيث تم تصميم المظلات ال3 المحيطة بالملعب كصروح انشائية مستقلة تماماً بذاتها لتجنب تحميل أي أوزان إضافية على المدرجات القديمة.

يرتكز السقف على 4 أعمدة فولاذية عملاقة تقع في الزوايا الخارجية للمبنى، وتتحمل هذه الأعمدة شبكة معقدة من الجمالونات الفولاذية الكابولية Cantilever Steel Trusses التي تمتد لمسافة تعادل 35 متراً فوق رؤوس المشجعين دون وجود أعمدة داخلية تحجب الرؤية.

تتضمن المنشأة تقنيات ذكية متطورة للتحكم في الأرضية، حيث تم تزويد الملعب بنظام العشب الهجين SISGrass الخاضع لرقابة رقمية مستمرة عبر مستشعرات أرضية تقيس مستويات الرطوبة والملوحة ودرجة حرارة الجذور. يتكامل هذا مع نظام تدفئة تحت الأرض Under-soil Heating System يضم شبكة أنابيب تمتد لعدة كيلومترات، تدار عبر برمجيات الطقس لضمان بقاء العشب الطبيعي حياً وصالحاً للعب في فترات الشتاء الكندي القارس دون الحاجة لغطاء انشائي دائم.

منظور داخلي لأرض الملعب
منظور داخلي لأرض الملعب

الاستدامة البيئية وكفاءة الموارد

ترتكز استراتيجية الاستدامة في الملعب على تبني مبدأ العمارة التكيفية المستدامة بدلاً من الهدم الكلي وإعادة البناء، وهو توجه بيئي يقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن صناعات الاسمنت والفولاذ الجديد مقارنةبخيار الهدم وإعادة البناء الكامل.

تم استبدال نظام الإضاءة التقليدي بالكامل بنظام مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء عالي الكفاءة مما قلل استهلاك الطاقة الكهربائية المخصصة لاضاءة المباريات والملاعب بنسبة تصل الى 25%. ويتصل نظام تصريف مياه الأمطار في السقف الفولاذي بشبكة البنية التحتية الخضراء لساحة المعارض، حيث يتم تجميع المياه الجارية وتنقيتها في أحواض ترسيب محلية لاستخدامها في معالجة المسطحات الخضراء المحيطة. ونظراً لموقع الملعب المتصل مباشرة بمحطة وقود جو Exhibition GO Station وشبكات الترام، يعتمد الوصول للمنشأة بنسبة تتجاوز 70% على النقل العام، مما يحد بفعالية من الآثار الكربونية التشغيلية المرتبطة بالتنقل السلكي للمشجعين.

الملعب كمنصة اجتماعية

يمثل الاستاد أداة حضرية نشطة تتكامل مع الفضاء العام المحيط بها، حيث أن التصميم المفتوح للمدرجات والممرات الخارجية يسمح بتدفق المشاة اليومي داخل ساحة المعارض التاريخية محولاً البوابة الخارجية للملعب الى نقطة التقاء مجتمعي.

ولا تقتصر الاستخدامات على المباريات الرياضية لكرتي القدم والراغبي، بل تمتد المنشأة لتصبح مسرحاً مفتوحاً لاستضافة الفعاليات الثقافية والحفلات الموسيقية العالمية الكبرى لفنانين مثل فرقة Genesis بالإضافة الى استضافة الأحداث الشتوية الاستثنائية مثل مباراة التراث الكلاسيكية لدوري الهوكي الوطني NHL Heritage Classic، حيث يتم تحويل الملعب لعصا ثلجية عملاقة تحت الهواء الطلق. وتتضمن هذه المرونة الاستخدام المكثف للمنشأة طوال أشهر السنة، مما يعزز قيمتها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية في النسيج الحضري لمدينة تورونتو.

يبرهن ملعب BMO Field في تورونتو على أن مرونة الفكرة التصميمة وقدرتها على التكيف هي المعيار الحقيقي لنجاح العمارة المعاصرة. ومن خلال قراءة هندسية متأنية يظهر هذا الاستاد حل برغماني يتوسط الاتجاهات الانشائية الكبرى، فلم يعتمد على الأنظمة الميكانيكية بالغة التعقيد والأسقف المتحركة التي ميزت ملعب مرسيدس بنز Mercedes-Benz Stadium في أتلانتا، ولم يذوب كلياً في تضاريس الطبيعة الخارجية ليحاكي التلال الحية كما في ملعب أكرون Estadio Akron في المكسيك.

لقد اختار BMO Field لغة التطوير الانشائي المتراكم، معتمداً على فصل كتلته القديمة عن الحلول الهندسية الجديدة المتمثلة في سقف كابولي عملاق ومدرجات قابلة للتعديل، ليقدم صياغة فريدة تثبت أن استدامة المباني الرياضية لا تكمن دائماً في بدايتها الأيقونية، وانما في قدرتها على إعادة ابتكار ذاتها هندسياً لاستيعاب المستقبل الحركي ومستجداته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى