تاريخ ونظريات

كيف أعادت الكوارث اختراع العمارة الحديثة؟

قد يبدو تاريخ العمارة للوهلة الأولى سلسلة متواصلة من الابتكارات الجمالية والتقنيات الانشائية التي تطورت تدريجياً عبر القرون، لكن عند التعمق في تاريخ المدن يتضح أن كثيراً من أعظم التحولات المعمارية لم تولد في أوقات الاستقرار والازدهار، وانما جاءت استجابة لكوارث كشفت نقاط الضعف في البيئة العمرانية.

فالحرائق الكبرى، والزلازل، والأوبئة، وحتى الجوائح الحديثة لم تكن مجرد أحداث دمرت المدن، وانما أجبرت المعماريين والمخططين على اعادة التفكير في مواد البناء، وشكل الشوارع، وطرق تنظيم الحياة داخل المدن. لذلك يمكن القول أن كثيراً من المبادئ التي تقوم عليها المدن الحديثة اليوم لم تولد على طاولة التصميم بل خرجت من قلب الأزمات.

طاعون ميلانو | المدينة متعددة المستويات

مخطوطة رسم يدوي تاريخي لليوناردو دا فنشي يوضح فكرة تصميم المدينة المثالية متعددة المستويات وقنوات الخدمة
مخطوطة رسم يدوي تاريخي لليوناردو دا فنشي يوضح فكرة تصميم المدينة المثالية متعددة المستويات وقنوات الخدمة

عندما اجتاح الطاعون الأسود مدينة ميلانو في ثمانينيات القرن الخامس عشر، قاتلاً لما يقارب نصف سكانها، لم يكن المعمار والفنان ليوناردو دا فنشي ينظر للمأساة كأوبئة طبية مجردة، وانما كخطأ بنيوي في التخطيط العمراني. ورأي دا فنشي أن الكثافة المفرطة واختلاط النفايات الصلبة والسائلة بحركة المشاة، وضيق الطرقات، هي البيئة المثالية لتفشي الأمراض.

قدم دا فنشيفي مخطوطاته مفهوماً ثورياً لما يعرف في العمارة بالمدن المثالية والتي قامت على مبدأ الفصل الطبقي والوظيفي للبنية التحتية من خلال:

  • الطبقة الفراغية Multi-level Urbanisim: صمم دا فنشي المدينة على مستويين رئيسيين، فالمستوى العلوي المخصص للمشاة، والحدائق والأنشطة الاجتماعية والشوارع العريضة التي يدخلها الهواء والشمس، بينما خصص المستوى السفلي لشبكات الصرف الصحي، ونقل البضائع، وحركة الدواب وادارة النفايات.
  • الشبكة الهيدروليكية: اقترح ربط المستوى السفلي بالقنوات المائية لغسل الشوارع بشكل دوري وترشيد ادارة المياه.

رغم أن نموذج دا فنشي لم يطبق بالكامل في عصره نظراً لتعقد تقنيات العمارة حينها، الا أن فكرته شكلت الجذر التاريخي للتخطيط الهيدروليكي الحديث، وفصل مسارات المشاة عن الخدمات، ونشأة البنية التحتية متعددة المستويات في المدن الذكية المعاصرة.

حريق لندن الكبير | ولادة التشريعات وقوانين العمارة

لوحة زيتية تاريخية تجسد حريق لندن الكبير عام 1666 وانتشار النيران في المباني الخشبية على جانب النهر
لوحة زيتية تاريخية تجسد حريق لندن الكبير عام 1666 وانتشار النيران في المباني الخشبية على جانب النهر

اندلع حريق لندن الكبير في الثاني من سبتمبر عام 1666 داخل مخبز صغير في شارع Pudding Lane، لكنه سرعان ما تحول الى واحدة من أكبر الكوارث الحضرية في أوروبا. فقد كانت العمارة في المدينة تتكون من شوارع ضيقة ومبانٍ خشبية متلاصقة ذات طوابق بارزة فوق الأزقة، مما سمح للنيران بالانتشار بسرعة هائلة.

التهمت النيران نحو 80% من المدينة ودمرت أكثر من 13.000 منزل و 87 كنيسة، غير أن النتيجة الأهم لهذا الدمار لم تكن اعادة البناء ذاتها، بل قانون اعادة بناء لندن لعام 1667 Rebuilding of London Act والذي يعد اللبنة الأولى للتشريعات في العمارة الحديثة، وجاء فيها:

  • منع استخدام الخشب في الواجهات الخارجية.
  • اعتماد الطوب والحجر كمواد بناء أساسية لاستخراج تراخيص البناء.
  • توسيع عرض الشوارع لتقليل احتمالية انتقال الحرائق.
  • وضع معايير لارتفاعات المباني وسماكة الجدران.

وللمرة الأولى أصبح التشريع العمراني جزءاً أساسياً من عملية التصميم، لتتحول المدينة من تجمع عشوائي الى منظومة تخضع لقواعد هندسية واضحة.

زلزال لشبونة | بداية العمارة المقاومة للزلزال 

مجسم خشبي لهيكل قفص بومبالينو (Gaiola Pombalina) الابتكاري المقاوم للزلازل والمصمم لإعادة إعمار لشبونة
مجسم خشبي لهيكل قفص بومبالينو (Gaiola Pombalina) الابتكاري المقاوم للزلازل والمصمم لإعادة إعمار لشبونة

في الأول من نوفمبر عام 1755 تعرضت العاصمة البرتغالية لشبونة لزلزال بلغت قوته التقديرية 8.5 -9 درجات مقياس رختر. أعقبته موجات تسونامي وحرائق واسعة، مما أدى الى تدمير معظم المدينة. أثناء اعادة الاعمار قاد رئيس الوزراء البرتغالي Marquis of Pombal مشروعاً أحدث ثورة في الهندسة الانشائية، حيث طور نظام يعرف باسم Gaiola Pombalina.

  • قفس بومبالينو Gaiola Pombalina: ابتكار هيكل خشبي داخلي مسبق الصنع يتمتع بالمرونة، يزرع داخل الجدران الحجرية للمبنى. يعمل هذا القفص الخشبي على امتصاص الطاقة الحركية للزلازل. فاذا انهارت حجارة الجدران الخارجي يظل الهيكل الداخلي قائماً ويحمي القاطنين.
  • الاختبار الميداني الأول: لضمان كفاءة الهيكل، أمر بومبال بانشاء مجسمات هندسية للمباني الجديدة، وجعل السريات العسكرية تضرب الأرض حولها بايقاع حركي محدد للتحقق من قدرتها على تحمل الاهتزازات قبل تعميم التصميم.
  • التخطيط الشطرنجي: ألغي التخطيط العضوي للمدنة وأنشئ مخطط شطرنجي عريض يضمن الاخلاء السريع ومنع تراكم الأنقاض في الطرقات أثناء الانهيارات.

حريق شيكاغو الكبير | ولادة ناطحات السحاب

صورة تاريخية بالأبيض والأسود للواجهة الخارجية لمبنى أوديتوريوم شيكاغو الذي يمثل العمارة المبكرة للهياكل الفولاذية وناطحات السحاب
صورة تاريخية بالأبيض والأسود للواجهة الخارجية لمبنى أوديتوريوم شيكاغو الذي يمثل العمارة المبكرة للهياكل الفولاذية وناطحات السحاب

دمر حريق شيكاغو عام 1871 أكثر من 17 ألف مبنى، وكان معظمها مبنياً من الخشب بما في ذلك الأرصفة والمنشآت الخدمية، لكن اعادة الاعمار جاءت في وقت كانت فيه قيمة الأراضي داخل مركز المدينة ترتفع بصورة غير مسبوقة، مما دفع المهندسين الى البحث عن حلول تسمح بالبناء رأسياً بدلاً من التوسع أفقياً. نتج عن ذلك ظهور مدرسة شيكاغو المعمارية التي اعتمدت على:

  • الهياكل الفولاذية Steel Framing: استبدال الجدران الحاملة الثقيلة بالهياكل الفولاذية المغلفة بالمواد المقاومة للحريق. أتاح ذلك رفع المباني لارتفاعات غير مسبوقة دون الحاجة لجدران قاعدية سميكة جداً.
  • المصاعد الحديثة: مع دمج الهيكل الفولاذي بالمصاعد الكهربائية الحديثة، ولدت ناطحة السحاب الأولى في التاريخ مثل مبنى Home Insurance Building عام 1885.
  • الواجهات الزجاجية الكبيرة: سمحت الهياكل الفولاذية بفتح الواجهات الخارجية لتدفق الضوء الطبيعي مما غير شكل الأفق الحضري Skyline عالمياً الى الأبد.

وبفضل هذه الابتكارات ظهر أول جيل من ناطحات السحاب. ليتغير أفق المدن حول العالم بصورة جذرية.

جائحة كوفيد-19| عودة الانسان الى قلب التصميم

تصميم داخلي معاصر لفراغ معماري مرن يتميز بالإضاءة الطبيعية والتهوية الجيدة والنباتات الخضراء
تصميم داخلي معاصر لفراغ معماري مرن يتميز بالإضاءة الطبيعية والتهوية الجيدة والنباتات الخضراء

اذا كانت الكوارث القديمة قد غيرت مواد البناء وأنظمة الانشاء، فان جائحة COVID-19 أعادت النظر في طريقة استخدام الفراغات المعمارية نفسها. فقد أظهرت الجائحة محدودية الشقق الصغيرة، والمكاتب المغلقة، والمدن التي تعتمد على التنقل اليومي لمسافات كبيرة، مما دفع المعماريين الى تبني مفاهيم جديدة، أهمها:

  • المساحات الداخلية المرنة القابلة لتعددية الاستخدام.
  • تعزيز التهوية الطبيعية والاضاءة.
  • زيادة المساحات المفتوحة والأسطح الخضراء.
  • تصميم مبانٍ تقلل نقاط التلامس.
  • تبني مفهوم مدينة ال15 دقيقة التي تتيح الوصول الى الخدمات الأساسية سيراً على الأقدام أو بالدراجة.

تكشف قراءة تاريخ المدن أن العمارة لم تتطور بخط مستقيم، بل عبر لحظات مفصلية فرضتها الأزمات الكبرى، ففي كل مرة انهارت فيها مدينة، لم يكن ما يعاد بناؤه هو الجدران وحدها، بل طريقة التفكير في التصميم نفسه. ومن تشريعات البناء بعد حريق لندن الى الهندسة المقاومة للزلازل في لشبونة، مروراً بولادة ناطحات السحاب في شيكاغو وصولاً الى اعادة تعريف الفراغ بعد جائحة COVID-19، كانت الكوارث تدفع العمارة الى مراجعة أدواتها والبحث عن حلول أكثر أماناً ومرونة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى