العمارة

مسجد سانجاكلار | العودة الى غار حراء!

في ضواحي Büyükçekmece باسطنبول حيث تعلو ضوضاء الطريق وتتنافس المجمعات السكنية المغلقة على البروز، يقبع مسجد سانجاكلار Sancaklar Mosque كمحاولة معمارية استثنائية للهروب من فوضى الشكل الى طمأنينة الجوهر. في هذا المشروع الذي صممه مكتب EAA-Emre Arolat Architecture عام 2012 على مساحة 700 متر مربع، لم يكن الهدف بناء معلم بصري جديد بل صياغة تجربة روحية تنفصل عن العالم الخارجي لتتصل بالخالق.

تفكيك الرمزية: من القبة الى التضاريس

لعقود طويلة ارتبطت هوية المسجد في العقل الجمعي بالقبة والمئذنة. لكن أرولات في سانجاكلار قام بعملية تفكيك جريئة لهذه الرموز. لقد استغنى عن القبة تماماً واستبدلها بالتضاريس.

فالمسجد لا يرتفع فوق الأرض لينافس السماء بل ينغرس في باطنها. السطح ليس قبوة خرسانية بل هو طبقات متتالية من المساحات الخضراء والدرجات الحجرية التي تتبع انحناءات التل الطبيعي. هنا تتحول العمارة من كتلة تفرض نفسها على الموقع الى امتداد له. فتقوم الفلسفة التصميمة هنا أن السجود لله يبدأ بالاندماج مع خلقه لا بالتباهي بالارتفاع فوقها. والعنصر المعماري الوحيد المرئي من الخارج هو تلك المظلة الخرسانية الطويلة التي تمتد من الحديقة العلوية لتعمل كفاصل بصري بين العالمين.

فلسفة الكهف: العودة الى غار حراء

الوعي الأعمق في تصميم مسجد سانجاكلار يكمن في استدعاء اللحظة الأولى للوحي. فالمسجد يتبنى فلسفة الكهف. ذلك أن الكهف مكان مظلم، هادئ، ومنعزل، وعند النزول الى قاعة الصلاة عبر المنحدرات الحجرية، يشعر المصلي بانفصال تدريجي عن صخب المدينة ليدخل في حالة من السكون والهدوء.

ان الربط بين التصميم و غار حراء هو إعادة تعريف لسيكولوجية الفراغ المقدس. فالمسجد هنا لم يكن صالى عرض للزخارف والخطوط التي قد شتت انتباه المصليين بل هو فراغ خاوٍ يدفع المصلي للنظر الى داخله. وصممت الإضاءة لتكون طبيعية وشحيحة تتسلل عبر شقوق وكسور صممت بدقة على طول جدار القبلة، مما يعزز اتجاهية المكان ويسمح لضوء النهار بالتسلل كخيوط من الأمل وسط عتمة المادة.

التوتر بين البشر والطبيعة

غرقت العمارة التركية المعاصرة بالمباني الخرسانية، لكن سانجاكلار يعلن عصر الصدق المادي، حيث يعتمد المشروع على توتر خلاق بين ما هو من صنع الانسان والمتمثلة بالخرسانة المسلحة وبين ما هو طبيعي المتمثلة بالحجر الخام. وتتجلى هذه الازدواجية في المقارنة البصرية بين الدرجات الحجرية الطبيعية التي تتبع منحدر التل، وبين السقف الخرساني الرقيق الذي يمتد لأكثر من 6 أمتار بجرأة انشائية حديثة. وقد استخدم المعماري الخرسانة الظاهرة Fair faced concrete والحجر المستخرج من الموقع نفسه ليربط المبنى بجذوره الجغرافية.

ولكي تتجلى لغة الزهد فلم يتم استخدام الرخام المصقول أو الثريات الضخمة حيث ملمس الحجر وخشونة الجدار هي التي تشكل الجمالية.

الفراغ مقابل الشكل

يطرح سانجاكلار التحدي الأكبر على كل معماري معاصر: هل نبني مساجد أم أشكال مساجد؟ ان نجاح هذا المشروع يكمن في أنه أثبت أن المقدس لا يحتاج الى بصمة بصرية غنية بالزخارف والثريات فالمسجد هو الفراغ الذي يتم فيه الاتصال بالخالق، وكل ما يخدم هذا الاتصال هو عمارة إسلامية صحيحة قائمة على الزهد والتواضع ولو خالف ذلك القواعد الموروثة.

لقد نجح أرولات في خلق حدود واضحة عبر الجدران العالية المحيطة بالساحة العلوية، ليخبرنا أننا بصدد دخول منطقة تطهير بصرية. وبمجرد تجاوز هذه الجدران والنزول بين الحوائط الحجرية نحو مدخل المسجد، يترك الزائر العالم خلف ظهره، ليبدأ رحلة البحث عن السكينة في كهف حديث صمم بدقة 700 متر مربع من الخشوع.

ان مسجد سانجاكلار هو دعوة لاعادة قراءة التراث بروح نقدية، وهو يعلمنا أن الحداثة لا تعني طمس الهوية بل تعني البحث عن الأصالة. فعندما نستبدل القبة بالتضاريس والزخرفة بالضوء الطبيعي، فنحن لا نغير العمارة بل نعيد ترتيب علاقتنا بالفضاء الروحي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى