تاريخ ونظريات

دليل تاريخ العمارة ج1 | من الكهف وحتى المساجد

لطالما كانت العمارة المرآن الأصدق لحضارات الشعوب. والشاهد الحي على إنجازاتها في كافة مناحي الحياة. ان عمارة البنيان ما هي الا نتاج لعمارة العقول، وانعكاس لمدى التطور الروحاني، والاجتماعي، والفكري، والتقني الذي بلغه شعب ما. كما لعبت الحركات الاستكشافية والسفر والتجارة وحتى الحروب دوراً ايجابياً في هذا التطور، اذ مكنت الشعوب من التعرف على تقنيات بناء ومعالجات بيئية متنوعة وتطويرها. وهو ما نلمسه بوضوح في العمارة الرومانية التي تعد امتداداً صريحاً للعمارة اليونانية. في هذا المقال نتقفى أثر أهم المحطات التاريخية للعمارة عبر العصور.

عمارة ما قبل التاريخ: من الكهف الى المدينة

تبدأ رحلة العمارة من عمارة ما قبل التاريخ، تلك الحقبة التي تعود الى أكثر من 5500 سنة قبل الميلاد. في هذه الفترة بدأ الانسان الأول بعد اكتشافه للنار والزراعة الى الانتقال الى حياة التجمعات البشرية. فاتخذ من الكهف مسكناً في البداية، لكنه لم يسكنه بعشوائية بل قام بتقسيمه الى فراغات وظيفية مع ابتكار فتحة علوية لخروج دخان النار.

ومع تطور حاجته الى المزيد من المساكن، ظهر نمط المنازل الدائرية والمستطيلة المتلاصقة ببعضها، والتي تميزت ببنائها بارتفاعات مختلفة لضمان التهوية الطبيعية. في وقت لم يكن الانسان قد اخترع بعد الأبواب أو النوافذ. وتعد مدينة أريحا في فلسطين نموذجاً لهذه العمارة.

عمارة بلاد الرافدين: مهد العقود والقباب

وبالانتقال الى عمارة بلاد الرافدين (5000ق.م- 500ق.م) نجد أنفسنا أمام حضارات عريقة كالسومرية، البابلية، والآشورية. هنا لعبت البيئة دوراً حاسماً فبينما استخدم سكان الشمال الحجر، اضطر سكان الجنوب لاستخدام الطين والآجر لندرة الغابات. هذا التحدي البيئي دفع الرافديين لابتكار العقود والقباب لتسقيف مبانيهم عوضاً عن الخشب. ليكونا أول من ابتكر هذا النظام الانشائي الذي استلهمه منهم البيزنطيون لاحقاً.

وتعتبر الزاقورات كأهم معالمهم، وهي معابد تصاعدية يتوجها حرم في القمة، ويمكن للزاقورة أن تتخذ العديد من الأشكال فالزاقورة السومرية مستطيلة الشكل، بينما اتخذت الزاقورة البابلية شكلاً حلزونياً، وتواجد الزاقورات بجانب المعابد ذات الأهمية القصوى كالمعبد الأبيض والبيضاوي.

العمارة المصرية القديمة: صرح الخلود والهيبة

وفي ذات الوقت تقريبا، كانت العمارة المصرية القديمة (3000ق.م- 200ق.م ) ترسي قواعد الخلود. فقد تأثر المصريون بعمق بالدين فصبوا جل عنايتهم بالمباني الدينية والجنائزية لتتصف بالشموخ والقوة والديمومة عبر استخدام الحجر. فقد قاموا بتشييد صالات واسعة تحتضن مئات الأعمدة الضخمة.

ومن أبرز مبانيهم النصب الجنائزية الضخمة والمعابد والأهرامات ومنها الأهرامات الأولى التي كانت مدرجة كهرم زوسر المدرج والأهرامات الحديثة كأهرامات الجيزة وأهمها هرم خوفو، والمعابد كمعبد حتشبسوت ومعابد آمون بالأقصر.

العمارة الهيلينية: قواعد الجمال والمثالية

وفي جزيرة كريت ظهرت العمارة المينوية والهيلادية 1800)ق.م – 1300ق.م) التي تميزت بقصورها وبواباتها ذات السقائف متعددة الأعمدة حيث كان الحجر يستخدم للقواعد والأعتاب، بينما الحوائط العليا من الخشب لتشكل هذه العمارة الأساس الذي قامت عليه أعظم حضارات الاغريق.

العمارة اليونانية: فلسفة النسبة الذهبية

أما العمارة اليونانية أو الاغريقية (800ق.م -300ق.م) فلا تزال حتى اليوم مصدراً للإلهام المعماري الرفيع. وقد بدأ الاغريق بالتشييد بواسطة الخشب ثم الرخام الذي منحهم دقة مذهلة في الزخارف. وبحثاً عن قواعد الجمال المثالي فقد طبق المعماريون اليونانيون مفاهيم النسبة الذهبية والتناظر التام والتوازن متأثرين بآراء الفلاسفة في تحقيق الانسجام المنتظم. كما نرى في معبد البارثينون  Parthenon المشيد على هضبة الأكروبوليس، ومعبد الأرختيوم  Erectheumالذي تتجسد روعته في أعمدته الستة المصممة على هيئة نساء.

العمارة الرومانية| ثورة التقنية والمنطق

وصلت العمارة الرومانية 300) ق.م- 365م) أوجها في عهد القيصر أوغسطس. ويرجع ذلك الى تراجع تأثير الدين قليلاً، وهيمنت المباني المدنية والاجتماعية كالمسارح على المباني الدينية. وقد اكتشف الرومان المونة لربط أجزاء المباني كما استخدموا البياض الداخلي والخارجي، وكوروا العقود والقبوات الحجرية. وفي هذه الفترة كتب فيتروفيوس مراجعاته التي أسست لمنطق التصميم كاستخدام الموديول والمقياس الإنساني، وتنظيم العلاقة بين المسقط الرأسي والواجهات.

كما ظهرت الفورم Forum كساحة اجتماعية وتجارية تقابل الأجورا اليونانية، بجانب البازيلك Basilica كمبانٍ للمحاكم والتجارة. ويظل بانثيون روما والكولوسيوم ومدينة تدمر شواهد على هذه العظمة.

عمارة العصور الوسطى: صراع الروح والكتلة

دخل العالم بعدها في عمارة العصور الوسطى (200م-1400م) والتي عرفت بعمارة الكنيسة والنظام الاقطاعي الذي أنتج القلاع المحصنة، وكان بناء الكنائس ككنيسة سان بول رمزاً للتحرر المسيحي وبسبب رفض المسيحية لحرق الجثث، وقد برزت الأضرحة النصبية المقببة المزينة بالموزائيك المزجج، وتنقسم العصور الوسطى الى ثلاث فترات:

  • العمارة البيزنطية

ومن رحم هذا التطور ولدت العمارة البيزنطية (300 م – 1453م) التي تأثرت بالخلافات المذهبة. فبينما اتجهت العمارة البيزنطية في الشرق للتماثيل واللوحات الزيتية خلت العمارة البيزنطية في الغرب منها، مركزة على فخامة البناء كما في آيا صوفيا وكنيسة سانت مارت.

  • عمارة الرومانسك

لاحقاً انبثقت عمارة الرومانسك (800م-1180م) متأثرة بالعمارة الرومانية والبيزنطية، وسبب تسميتها بهذا الاسم تأثرها الكبير بالعمارة الرومانية. وظهرت بوضوح في إنجلترا وإيطاليا وفرنسا، وقد امتازت بالضخامة والصرحية ولكن بمهارة تنفيذ وبساطة أكثر لتسلم الراية الى العمارة الغوطية.

  • العمارة الغوطية

أحدثت العمارة الغوطية(1050 م-1530م)  ثورة انشائية باستخدام العقد المدبب والأقبية المتقاطعة، مما غير في نسب المباني لتصبح أكثر نحافة وارتفاعاً، كما في كنيسة نوتردام في باريس.

العمارة الإسلامية: الهوية والامتداد

وقد امتدت العمارة العربية الإسلامية جغرافياً من الصين شرقاً حتى الأندلس غرباً لأكثر من 14 قرن. وقد تشكلت هذه العمارة عبر أنماط وظيفية متنوعة كالقصور، المدارس، خانات، وبيمارستانات لكن يظل المسجد هو العنصر الأهم، فهو بناء وظيفي رمزي، ومركز ديني، وتعليمي، واداري لإدارة شؤون الدولة، وتتجلى هذه الهوية بوضوح في المسجد الحرام والمسجد النبوي.

ان تاريخ العمارة كما يراه أرنست بوردين متداخل بعمق مع تاريخ الحضارات، فهو السجل الذي يتيح لنا فهم الثقافات التي لم تترك سجلات مكتوبة. بهذا نختتم مقالنا حول عمارات العالم القديم والوسيط، على أن نستعرض في الجزء الثاني في عمارات الحضارات الحديثة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى