
نظريات تخطيط المدن| من المدينة الخطية الى المستدامة
شهد مطلع القرن العشرين بزوغ علم التخطيط الحضري Urban Planning كاستجابة حتمية للآثار الجانبية الكارثية للثورة الصناعية في إنجلترا وأوروبا. وقد تمثلت هذه الآثار في الانفجار السكاني غير المنظم، وتدهور البيئة العمرانية، والخلل في التوزيع الديموغرافي. وانبرى المعماريون وعلماء الاجتماع لصياغة أطر فكرية تهدف الى إعادة هيكلة المدينة بما يحقق توازناً بين الكفاءة الوظيفية والرفاهية الإنسانية، وفيما يلي استعراض لأهم نظريات المدن:
-
نظرية المدينة الخطية: The Linear City – 1882

اقترح المهندس الاسباني سوريا ماتا Arturo Soria Mata هذا النموذج لمواجهة المركزية المفرطة في المدن التقليدية.
- الفلسفة التصميمية: تقوم على مبدأ “الريف الحضري”، حيث تمتد المدينة كشريط طولي بشريان مواصلات رئيسي.
- المواصفات التقنية: عرض شريان المواصلات المركزي 50 متراً ويضم السكك الحديدية والمرافق، والعمق العمراني 200 متر على جانبي الطريق لضمان قرب جميع السكان من المساحات الخضراء والخدمات.
- النقد: واجهت النظرية تحديات في التمدد اللانهائي وصعوبة الربط العرضي، مما يرفع تكلفة البنية التحتية الطولية.
-
نظرية المدينة الحدائقية Garden City – 1898

وضع هوارد Howard هذه النظرية في كتابه “مدن الغد الحدائقية” وهي حجر الزاوية للتخطيط الحديث.
- المخطط الهيكلي: مدينة دائرية تبلغ مساحتها حوالي 6000 فدان نصف قطرها مقسم الى أحزمة خضراء ووظيفية.
- التوزيع الفراغي: ينطلق من المركز (الحديقة المركزية والمباني العامة) 6 شوارع شعاعية تقسم المدينة الى قطاعات مخروطية.
- الأهداف: السيطرة على نمو المدينة (حد أقصى 32,000 نسمة) ومنع الزحف العمراني عبر الحزام الأخضر Green Belt.
- أمثلة عالمية: مدينة ليتشوورث Letchworth في إنجلترا.
-
نظرية المدن التابعة Satellite Towns – 1922

طور ريموند أنوين Raymond Unwin فكرة المدن التابعة لتخفيف الضغط عن المدن الأم Metropolis
- المفهوم الانشائي: تنشأ مدن صغيرة متكاملة وظيفياً حول المدن المركزية، ترتبط بها بشبكة مواصلات قوية ولكنها تتمتع باستقلال اداري وتجاري.
- المواصفات: يتراوح عدد السكان بين 12 الى 18 ألف نسمة، وهي استراتيجية تهدف الى منع التضخم العشوائي للمركز، وهو ما نراه في التخطيط الإقليمي الحديث للمدن الكبرى.
-
نظرية المدينة التابعة الحديثة – فريدريك كيبل

يرى المعماري البريطاني فريدريك كيبل Frederick Gibberd أن الشكل الدائري هو الأمثل للتحكم في النمو.
- الهيكل التنظيمي: مدينة دائرية 60 ألف نسمة مقسمة الى أربع قطاعات (ثلاثة سكنية وواحدة صناعية).
- المركز الإداري: يضم المؤسسات التجارية والثقافية محاطاً بطريق دائري عام Ring Road لتوزيع الحركة.
- المقارنة التاريخية: تتقاطع هذه النظرية مع مدينة بغداد الدائرية التي بناها المنصور، لكن بتوجيهات وظيفية حديثة تعتمد على الفصل بين مناطق العمل والسكن.
-
نظرية المجاورة السكنية Neighborhood Unit – 1929

صاغ كليرني بيري Clerance Perry هذه النظرية لترميم الروابط الاجتماعية المفقودة في المدن الكبرى.
- المعيار التصميمي: تبنى المجاورة حول المدرسة الابتدائية كمركز ثقل، بحيث لا تزيد مسافة السير اليها عن 500 متر أي بمسافة مشي حوالي 10 دقائق.
- الأهداف البيئية: عزل الحركة الآلية السريعة عن قلب المجاورة لضمان أمان المشاة وخلق بيئة اجتماعية متفاعلة.
-
نظرية السوبر بلوك Superblock – 1929

طبق المخططان رايت وتشاين Stein & Wright هذا المفهوم في مدينة رادبورن بولاية نيوجرسي.
- الفصل الحركي: فصل تام بين مسارات المشاة والسيارات.
- الشوارع المسدودة Cul-de-sacs: تنتهي الشوارع الفرعية بميادين غير نافذة مما يحقق أقصى درجات الخصوصية والهدوء السمعي والبصري للسكان مع توجيه مداخل البيوت نحو مسارات خضراء داخلية.
-
نظرية مدينة الغد Ville Contemporaine – 1922

طرحها المعماري والمخطط لوكوربوزيه Le Corbusier كحل جذري لأزمة الكثافة.
- التوجه الرأسي: ناطحات سحاب في المركز لاستيعاب الكثافة العالية مما يترك 95% من مساحة الأرض للمساحات الخضراء والمنتزهات.
- النقد: واجهت هذه النظرية انتقادات بسبب آلية التصميم وبرودتها الاجتماعية، رغم أنها مهدت لعمارة الأبراج الحديثة.
-
نظرية المدينة الأفقية الواسعة Broadacre City – 1932

قدم فراك لويد رايت Frank Lioyd Wright رؤية متناقضة تماماً للوكوربوزيه.
- اللامركزية: تخصيص فدان لكل أسرة، حيث تمتد المدينة أفقياً وتختفي الفوارق بين المدينة والريف.
- الاعتمادية: تعتمد كلياً على السيارة وخطوط المواصلات السريعة، وتعد هذه النظرية الأب الروحي لظاهرة الزحف العمراني Urban Sprawl في أمريكا.
-
نظرية المدن المستدامة Sustainable Cities – 1987

هي المحطة الأحدث في فكر التخطيط الحضري، وتعتمد على التنمية المستدامة.
- المبادئ: رفع كفاءة استخدام الموارد، وتفعيل التداخل الاجتماعي، وتعزيز المشي Walkability.
- العودة للجذور: تعتمد على الحلول التقليدية مثل المدينة العربية الإسلامية في استخدام الفناء، الميادين الخضراء والمراكز المميزة كالمسجد أو الميدان.
- النمط الفراغي: تعظيم دور الفراغ المعماري كعنصر فاعل في خفض الاستهلاك الطاقي وتحسين المناخ المحلي.
ان استعراض هذه النظريات يثبت أن التخطيط الحضري ليس مجرد تشكيل هندسي للأرض، بل هو استجابة ديناميكية للتحولات الاجتماعية والتقنية التي تعيشها البشرية. فمن المدينة الخطية التي قدست النقل وصولاً الى المدن المستدامة التي تحاول ترميم علاقة الانسان ببيئته. نجد أن كل نموذج قدم حلولاً لمشكلات عصره. واليوم يقع على عاتق المعماري والمخطط المعاصر مسؤولية اختيار المزيج الأنسب من هذه المبادئ بما يتوافق مع طبوغرافيا المكان وديموغرافيا السكان، لضمان بناء مدن ليست فقط كفؤة وظيفياً بل إنسانية وقادرة على البقاء للأجيال القادمة.




Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.