
بلاد الرافدين وميلاد الهندسة الانشائية
- Knowledge is power
- The Future Of Possible
- Hibs and Ross County fans on final
- Tip of the day: That man again
- Hibs and Ross County fans on final
- Spieth in danger of missing cut
بينما كانت الحضارات القديمة تعتمد على وفرة الأحجار و الأخشاب لتشييد صروحها، واجه المعماري في بلاد الرافدين تحدياً بيئياً وجودياً، فالمناطق الوسطى والجنوبية تفتقر تماماً للمواد الصلبة. هذا الاحتياج لم يكن عائقاً بل كان الشرارة التي أطلقت ثورة الآجر أو ما يسمى بالطابوق المنضج، ليتحول الطين من مادة رخوة الى أساس لأعظم الابتكارات الانشائية في التاريخ. ولم يكتف الرافديون بالبناء بل اخترعوا الأنظمة التي تضمن بقاء هذه الكتل الضخمة قائمة، وعلى رأسها تقنيات الهبوط والتمدد.
ثورة الآجر
استجاب فن العمارة الرافدية لفكرة الصلابة المستوحاة من الطبيعة القاسية. فبدأ العمل باستخدام المواد المتوفرة محلياً كالطين وحزم البوص (القصب) وسعف النخل. ولكن مع تطور المدن وزيادة الأحمال كان لابد من الانتقال الى اللبن (الطين النيء) ثم الآجر الذي يحرق في الأفران ليصير صخراً صناعياً.
هذه المادة فرضت على المعماري نمطاً جدارياً بامتياز، فالحوائط السميكة التي يتراوح سمكها بين 2 الى 5 أمتار لم تكن للزينة بل كانت ضرورة انشائية لحمل الأسقف وتوفير العزل الحراري في مناخ العراق الحار. ومن هنا ظهرت العبقرية: فكيف يمكن لهذه الحوائط العملاقة والأسوار الممتدة أن تصمد أمام عوامل الهبوط الأرضي دون أن تتشقق؟
فواصل الهبوط: عبقرية استخدام جذوع النخيل
في الأسوار الضخمة التي كانت تحيط بالمدن كبابل وخورسباد، واجه المهندس الرافدي معضلة الاجهادات الناتجة عن تباين تربة التأسيس وضخامة الأطوال. هنا ابتكر الرافديون ما نعرفه اليوم في الكودات الهندسية الحديثة بفواصل الهبوط والتمدد.
لقد عمدوا الى تقسيم الأسوار الممتدة الى أجزاء مستقلة، وفصلوا بينها بجذوع النخيل المغطاة بالقرميد. هذه الجذوع كانت تعمل كمادة مرنة تماثل وظيفة المطاط أو النيوبرين في العصر الحالي، فهي تسمح لكل جزء من السور بالهبوط والتحرك بشكل مستقل عن الجزء المجاور دون أن يؤدي ذلك الى حدوث شروخ انشائية قاتلة في جسم السور. ان هذه التقنية هي التي حفظت الأسوار والزاقورات قائمة برغم الفيضانات وتغير منسوب المياه الجوفية.
ميلاد القبو والعقد والمنحدر
ندرة الغابات جعلت الرافديين يستغنون عن السقوف الخشبية التقليدية، وهو ما أدى الى أعظم ابتكار في تاريخ الهندسة وهو العقود والقباب
- المنحنيات الانشائية: بدلاً من العتبات الخشبية الضعيفة أقاموا العقود من الآجر والمونة القوية. لقد أدركوا مبكراً أن الشكل المنحني يوزع الأحمال عبر الضغط وليس الشد، وهو ما يناسب طبيعة الطوب تماماً.
- القبوات والقباب: استخدمت القباب الخشبية المدعمة بزوايا مثلثية في البداية كما في سومر، ثم تطورت لتبنى بالكامل من القرميد لدى البابليين والآشوريين. ولتلافي الدفع الجانبي للهياكل المقببة قاموا بتضخيم الجدران الجانبية لتعمل كدعامة تمتص القوى الناتجة عن القبو.
- المنحدرات Ramps: للوصول الى قمم الزاقورات والقصور المرفوعة على الروابي بصفتها منصات بارتفاع 15 متراً، ابتكروا المنحدرات العريضة التي تسمح بحركة الأحمال الثقيلة، وهي تقنية تفوقت في مرونتها على السلالم التقليدية.
ارث الرافدين الى العالم
لم تكن هذه العلوم حبيسة وادي الرافدين، فالانتقال التقني للعقود والقناطر والقباب يعد الجين المعماري الذي صدرته بلاد الرافدين للعالم. وتشير المصادر الموثوقة الى أن البيزنطيين ومن بعدهم الرومان استلهموا هذه الأنظمة الانشائية من العراق القديم.
ان القباب التي تميزت بها العمارة الإسلامية لاحقاً والأنظمة الانشائية الرومانية الضخمة تدين بفضلها الأول لذلك المعماري الذي قرر أن يطوع الطين والآجر ليحل محل الغابات المفقودة. حتى تقنيات فواصل التمدد التي ندرسها اليوم في الهندسة المدنية فقد كانت بذورها الأولى جذوع نخيل غرست بعناية بين جدران بابل.
ان عمارة بلاد الرافدين تثبت أن المادة ليست عائقاً أمام الفكر. لقد هندس الرافديون مدنهم وفق تنظيم شبكي وشوارع متصالبة تخدمها أنظمة صرف معقدة، وبرعوا في استخدام الطوب المزجج والموزاييك لكسوة جدرانهم محققين معادلة الجمال والمتانة.
يبقى الدرس الأهم من ثورة الآجر هو أن العمارة الحقيقية هي التي تنبع من قلب البيئة، فمن طمي النهر وجذوع النخل ولدت أصول الهندسة الانشائية التي لا تزال حتى يومنا هذا نستخدم مبادئها الأساسية في كل صرح خرساني أو فولاذي نرفعه فوق سطح الأرض.




Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.