التخطيط

لماذا كانت العمارة التقليدية أكثر استدامة مما نتصور؟

لطالما آمن حسن فتحي بأن العمارة هي اللغة المفقودة التي تتحدث بها الأرض مع سكانها، محذراً من أن استيراد هندسة غريبة عن البيئة هو نوع من الانتحار الثقافي والحراري. هذا الايمان تقاطع في جوهره مع فلسفة فرانك لويد رايت حول “العمارة العضوية ” بحيث يجب على المبنى احترام طبوغرافيا الأرض فان كان على تلة فلا يكون أعلاها وانما جزءاً منهما. وبالنسبة لكليهما لم تكن العمارة التقليدية مجرد نمط جمالي بل كانت تكنولوجيا فطرية تحترم قوانين الطبيعة. لقد أدرك فتحي أن القبو الطيني ليس أثراً قديماً بل هو أرقى حل فيزيائي لتبريد الهواء، بينما رأى رايت في المواد المحلية وسيلة لتحرير الانسان من سجن الصناديق الخرسانية الصماء. وانطلاقاً من هذا المنطق نستنتج أن عناصر العمارة التقليدية لم تكن خيارات تزينية بل كانت معالجات برمجية تعمل بصمت لضمان الاستدامة السلبية الكلية.

العزل الحراري الطبيعي

بعيداً عن الوصف الاعتيادي للمواد المحلية يجب النظر الى الحجر والطين على أنهم أجهزة خزن وتفريغ حراري Thermal Mass ، فبينما تعتمد ناطحات السحاب الزجاجية على قشرة خفيفة تفقد كتلتها الحراري خلال دقائق تعمل الجدران الحاملة السميكة كبطاريات فيزيائية. حيث تقوم هذه المواد بعملية الازاحة الزمنية فتقوم على امتصاص حرارة النهار وتخزنها لتبدأ بتفريغها ببطء شديد في الفراغ الداخلي ليلاً حين تنخفض الحرارة. انها خوارزمية حرارية طبيعية تضمن توازناً مستمراً دون الحاجة لمبردات ميكانيكية تستنزف الطاقة.

الملاقف والمشربيات

تعتبر المشربية منظومة خشبية تعمل كجهاز تحكم مناخي فائق الذكاء. وظيفتها الأساسية هي تفتيت الاشعاع الشمسي ومنه الوهج مع السماح بمرور تيار مستمر من الهواء. وتعتمد في تبريد الفراغ على التبريد بالتبخير عن طريق وضع جرار فخارية مليئة بالماء خلفها، فيمتص الهواء المار رطوبة الماء المتبخر مما يخفض درجة حرارته ويمد الفراغ بتيار بارد ومستدام طبيعياً.

أما الملقف فهو برج شاقولي مفتوح من الأعلى يعمل كرئة لاقتناص النسمات العلوية. ويتكون من “رأس” يواجه الرياح السائدة و”بدن” يمرر الهواء للأسفل يعتمد في عمله على فوارق ضغط الهواء حيث يصطاد الهواء البارد والنقي من الارتفاعات العالية ويدفعه بقوة الى داخل الغرف مما يؤدي لطرد الهواء الساخن للأعلى وتحقيق تدوير هوائي ميكانيكي دون أي استهلاك للطاقة.

المدخل المنكسر والفناء

تعكس فلسفة من الداخل الى الخارج ذكاءً اجتماعياً وبيئياً في آن واحد. فالمدخل المنكسر ليس مجرد أداء لتحقيق الخصوصية بكسر زاوية النظر من الخارج الى الداخل وانما يعتبر مصد هوائي يمنع تسرب هواء الشارع الساخن والغبار الى قلب المنزل. أما الفناء الواقع عادة في منتصف المنزل فهو قلب المنظمة حيث يعمل كخزان للهواء البارد. في الليل يمتلئ الفناء بالهواء البارد الذي يهبط للأسفل بسبب كثافته ويظل محبوساً داخل جدران البيت طوال النهار ليوزع البرودة على الغرف المحيطة محولاً البيت الى واحة معزولة تماماً عن الخارج.

النسيج المتضام: عمران الظلال

تنتقل الاستدامة من الفراغ الخاص الى الفضاء العام عبر النسيج المتضام. ففي المدينة التقليدية المباني تحمي بعضها البعض حيث يقلل الالتصاق الانشائي من المساحات المعرضة للشمس المباشرة بنسبة تصل الى 60%. فالزقاق الضيق والمتعرج لم يصمم بطريقة عشوائية بل هو قناة ظل مصممة لتبقى تحت درجة حرارة منخفضة مما يمنع تكون الجزر الحرارية التي تعاني منها أكثرية المدن حديثة التخطيط. انها عمارة تدرك أن الظل هو أرخص وأقوى عامل استدامة فعال، وبأن كفاءة المدينة تقاس بقدرتها على التبريد الذاتي لا بعدد الشوارع المعرضة للشمس.

ان العودة الى العمارة التقليدية ليست حنيناً بل هي استعادة العمارة السلبية الصحيحة التي تحترم قوانين الفيزياء بدلاً من محاولة كسرها بقوة الكهرباء. الاستدامة الحقيقة لا تشترى كاضافات تقنية بل تصمم كفلسفة بناء تجعل الحجر يتنفس والظل يتكلم.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى