العمارة

البيوت التركية| سكن أم رادار اجتماعي؟

اقرأ في هذا المقال
  • Knowledge is power
  • The Future Of Possible
  • Hibs and Ross County fans on final
  • Tip of the day: That man again
  • Hibs and Ross County fans on final
  • Spieth in danger of missing cut

لطالما ساد الاعتقاد بأن العمارة السكنية هي مجرد محاولة لتوفير المأوى والحماية، لكن البيت التركي التقليدي يأتي ليكسر هذه القاعدة مقدماً نموذجاً معمارياً يتجاوز مفهوم السكن نحو مفهوم الرقابة الذكية. ان المتأمل في جغرافيا الأناضول يدرك أن المعماري التركي لم يكن يبني جدراناً وانما نظاماً بصرياً معقداً يوازن بين حرمة الداخل وشغف استكشاف الخارج. فهل كان هذا البيت مجرد مسكن دافئ؟ أم أنه كان بمثابة رادار اجتماعي يضمن تماسك الحارة عبر الرقابة المتبادلة؟

 

سيكولوجية الفراغ التركي

يقوم البيت التركي على مبدأ الانفصام البصري، طابق أرضي حجري صامت ومنغلق تماماً يمثل الحصن الذي يحمي خصوصية العائلة من عابري السبيل وطابق علوي خشبي منطلق للأمام بجراءة . هذا التناقض ليس صدفة تصميمية بل هو توزيع سيكولوجي للوظائف فالطابق السفلي مخصص للحياة الاعتيادية والمؤن، بينما العلوي برج مراقبة الذي يمنح العائلة السيادة البصرية على الشارع.

هنا تبرز الجمبة Cumba كأهم أداة في هذا الرادار، فهي ليست مجرد بلكونة مغلقة أو نتوء خشبي جمالي، وانما هو عدسة معمارية. فبفضل بروزها المعماري تمنح الساكن زاوية رؤية تصل الى 180 درجة للشارع يميناً ويساراً، بينما تحجبه المشربيات عن أعين المارة. انها عمارة التلصص المشروع حيث يراقب سكان المنزل الحارة ، الغرباء، والباعة الجوالين، مما خلق نوعاً من الأمن الجماعي الفطري.

السوفا: رادار آخر داخل البيت

اذا كانت الجمبة هي العين فان السوفا sofa هي الدماغ المشغل لهذا الرادار. السوفا هي الفراغ المركزي الضخم الذي تتوزع حوله الغرف وهي ابتكار تركي بامتياز يرفض مقهوم الممر الضيق. ففي البيت التركي السوفا هي ساحة الحوار الداخلي، وهي الفراغ الذي يربط الغرف ببعضها.

أما فلسفياً تعبر السوفا عن المرونة الفراغية فبينما يميل البيت العربي التقليدي الى الانكفاء الكلي نحو الفناء حيث تنصب الرقابة نحو الداخل فقط، وبينما ينفتح البيت الأوروبي بنوافذه الكبيرة نحو الشارع كنوع من الاستعراض الطبقي، اختار البيت التركي الطريق الثالث فجعل السوفا والجمبة يعملان معاً كجسر يصل بين خصوصية الداخل وضجيج الخارج. انها عمارة الوسطية التي لا تعزل الانسان تماماً ولا تكشفه تماماً.

لغز البلكونات العملاقة

ملاحظة ميدانية بسيطة في المدن التركية كاسطنبول أو أنقرة، ستكشف لنا ظاهرة غريبة وهي بلكونات خرسانية عملاقة تكاد مساحتها تلتهم مساحة الغرف الداخلية. فمن الناحية المعمارية البحتة، قد يبدو هذا سوء توزيع للمساحات لكن من الناحية السيكولوجية فهو حنين معماري لاواعي.

لقد فقد الانسان التركي المعاصر الجمبة الخشبية والسوفا المركزية في الشقق الحديثة لكنه لم يفقد غريزة الرادار الاجتماعي. لذا تحولت البلكونة في الذهنية التركية من مكان لتجفيف الملابس الى غرفة معيشية خارجية. وتعتبر الرادار المعاصر للبيت التركي الذي يمارس من خلاله الأتراك طقوسهم في مراقبة الشارع وتناول الشاي والمشاركة في الحياة المجتمعية.

نظام هيميش والاستدامة

لا يمكننا فهم هذا الرادار دون دراسة المواد الانشائية التي قامت بانشاءه. لقد اعتمد البيت التركي على نظام هيميش Hımış وهو هيكل خشبي مرن يملأ بالحجر أو الطوب. هذا النظام هو قمة الوعي الانشائي في منطقة تتعرض باستمرار للزلازل والهزات الأرضية. فالخشب لا يقاوم الزلزال بالصلابة بل بالمرونة فهو يترنح مع الهزات الأرضية بدلاً من أن ينكسر.

علاوة على ذلك كان هذا البيت نموذجاً للاستدامة الفطرية، فاستخدام المواد المحلية كخشب الكستناء والقرميد، الطين، الحجارة وتصميم النوافذ المتقابلة لضمان فعالية التهوية الطبيعية، جعل من البيت كائناً يتنفس. فالمعماري التركي لم يكن يواجه الطبيعة بل كان يسايرها محققاً ما نسميه اليوم بالعمارة البيئية.

ان سيكولوجيا السكن في البيت التركي تقوم على المقياس الإنساني، حيث الأسقف والزوايا مصممة لتلائم جسد وروح ساكنيه ، مما يبعث على سكينة روحية نفتقدها في العمارة الحديثة البارد. ان دراسة هذا البيت هي دعوة للمعماري المعاصر ألا يبدأ من ورقة بيضاء كما يزعم البعض بل أن يبدأ في فهم الاحتياجات الإنسانية العميقة، فالعمارة الحقيقية تظل حية مادام المنطق الذي بنيت عليه يحترم كرامة الانسان ورغبته الفطرية في الجمع بين السكينة وبين الاتصال بالعالم.

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى