التخطيط

هل يمكن لمدينة أن تتعافى دون عمارتها؟

في العرف المعماري لا تعد المدينة مجرد تجمع من الوحدات الوظيفية بل هي نص بصري معقد يقرأ فيه السكان تاريخهم ويثبتون من خلاله وجودهم. ان العلاقة بين الانسان وفضائه المبني ليست علاقة انتقاع فحسب بل هي ترابط عضوي، حيث يشكل الفراغ المعماري الوعي الفردي والجمعي على حدٍ سواء. لذا فان التعافي الحقيقي لأي مجتمع حلت به كارثة لا يبدأ من ترميم الأجساد فقط بل من ترميم “المنزل” باعتباره الامتداد النفسي الأول للذات. اذ لا يمكن فصل التعافي النفسي للمواطن عن التعافي المادي لبيئته، فالمكان هو المرساة التي تحفظ توازن الروح.

من هذا المنطلق، فعندما تتعرض مدن مثل غزة وحلب لعمليات تدمية ممنهجة، فنحن لا نعاين خسارة في المخزون العقاري بل نعاين ظاهرة تصفية النسيج الحضري وهي استراتيجية تهدف الى محو الأبنية لزعزعة الاستقرار النفسي للمجتمع. ولكن هل التعافي هو مجرد صب للخرسانة؟ أم هو معركة لاسترداد روح المكان من براثن الشركات التي تقتات على الكوارث؟

لماذا يضيع الناس وسط الركام؟

تعتمد قدرتنا على العيش في سلام على ما يسميه المعماريون الخريطة الذهنية. نحن لا نعرف طريقنا للبيت عبر نظام GPS بل عبر تلك العلامات المميزة للمباني. في غزة حيث محيت أحياء كاملة يعاني الناجون من التيه، فالأرض موجودة لكن المعنى ضاع.

التعافي الحقيقي لا يبدأ من رصف الطرق. بل من استعادة تلك العلامات المرجعية التي تشعر الانسان بأنه لا يزال ينتمي لمكان ما وبأن جغرافية ذكرياته لم تتبخر مع الانفجار.

وارسو مقابل بيروت

التاريخ يضع أمامنا خياران لا ثالث لهما: تجربة وارسو بعد الحرب العالمية الثانية حيث رفض السكان الحداثة السريعة وأعادوا بناء مدينتهم القديمة بدقة متناهية مستعينين باللوحات والصور القديمة، كان فعلاً سياسياً لاسترداد الكرامة. وفي المقابل نجد تجربة بيروت “سوليدير” حيث تم تعقيم وسط المدينة وتحويله الى مول فاخر معزول عن ناسه. بيرةت تعافت عقارياً وتجارياً لكنها ماتت معمارياً لأنها استبدلت ذاكرة الناس بماركات عالمية. وهذا هو الفخ الذي يهدد مدينتي غزة وحلب: أن يتحول الاعمار الى وسيلة لمحو الفقراء وتمليك المدينة للشركات تحت ستار التطوير.

التكنولوجيا في خدمة الهوية

ان الدعوة للعودة الى الطين والحجر ليست بدافع الحنين، زانما هي استجابة علمية لضرورات السيادة المادية. ففي سياق قطاع غزة تتحول التكنولوجيا من أداة استهلاكية الى وسيلة لفك الارتباط بالمواد المستوردو أو تقليل الاعتماد عليها فبدلاً من انتظار دخول شاحنات إعادة الاعمار يمكننا توظيف عمارة الركام، عبر تدوير أنقاض المنازل المبادة وتحويلها الى وحدات بنائية معاصرة باستخدام تقنيات الصب في الموقع أو عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد. هنا لا تعود التكنولوجيا وسيلة لمحو الذاكرة بل أداة لبعث روح المكان من بين أنقاضه. فالمدينة الذكية بحق هي التي تستخدم مخلفات دمارها كبذور لبنائها القادم محولة ركام الإبادة المكانية الى بنية تحتية للصمود والتحرر المعماري.

التمكين المحلي مقابل الوصاية الخارجية

تكمن المعضلة الجوهرية في خطط إعادة الاعمار المطروحة حالياً في أنها تصاغ داخل مكاتب استشارية في عواصم بعيدة وبمعزل تام عن سيكولوجية الأرض في غزة. هذه المخططات رغم ضخامة ميزانياتها تظل قاصرة وعاجزة عن تقديم الحل الأنسب لثلاثة أسباب بنيوية

  • الجهل بالنسيج الاجتماعي: عدم ادراك التفاصيل الدقيقة للنسيج المجتمعي الغزي وقدرته الفريدة على التكيف والارتجال داخل الفراغ المعماري.
  • نزع الملكية الفردية: تعمد هذه المخططات Master Plans الى طمس حدود الملكيات الفردية المسجلة تاريخياً محاولة تحويل الأحياء المدمرة الى بلوكات سكنية موحدة تخضع لمنطق الاستثمار لا لمنطق الانتماء. هذا التجاهل لخرائط الملكية الخاصة هو جريمة تحاول فك ارتباط العائلات الغزية بأراضيها المتوارثة.
  • القوالب الجاهزة: التعامل مع الاعمار ككتل خرسانية باردة تفرض من الأعلى، مما يحول المدينة الى مجرد مشروع عقاري فاقد للروح ولذاكرة المكان وللشخصية العامة للسكان.

تتجاوز عملية إعادة الاعمار مفهوم التشييد المادي لتصبح مساراً استشفائياً من خلال المشاركة، حيث تتحول العمارة الى أداة لترميم الهوية الفراغية عبر اشراك السكان في صياغة تفاصيل سكنهم وحماية ممتلكاتهم التاريخية من محاولات المحو التنظيمي. ان فرض مخططات لاعادة الاعمار من مصادر خارجية تتجاهل سيكولوجية الأرض وحقوق الملكية الفردية يحول المدن الى كتل خرسانية مغتربة عن سياقها، بينما تثبت التجارب التاريخية كما في إعادة بناء وارسو القائمة على الذاكرة الجماعية أو النماذج التركية التشاركية أن استدامة العمران ترتبط طردياً بمدى احترام الملكيات المحلية ومنح السكان سلطة القرار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على Ernest Baker إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى