تاريخ ونظريات

بين العبقرية والجنون | 5 معماريين غيروا التاريخ

يخبرنا التاريخ أن العمارة ما هي الا معركة فكرية يخوضها معماريين ضد قوانين زمانهم، وظروف جغرافيتهم،بل وضد مجتمعاتهم أحياناً ليثبتوا صحة رؤيتهم. قد تمنح الخطوط والألوان المبنى جمالاً لكن تكمن العبقرية الحقيقية في فيزياء الحل الذي يقدمه المعماري. لا نتحدث في هذا المقال عن تواريخ أو نظريات أكاديمية وانما نغوص في السير الذاتية ل5 شخصيات معمارية استثنائية من عصر النهضة الى يومنا هذا تأرجحت حياتهم بين العبقرية الفذة والاتهام بالجنون، وكيف نجحوا في إعادة صياغة العالم من حولنا بناءً على خلفياتهم وثقافاتهم.

ليوناردو دا فينشي | المدينة الفاضلة من رحم الوباء

ليوناردو دا فينشي و المدينة الفاضلة من رحم الوباء
ليوناردو دا فينشي و المدينة الفاضلة من رحم الوباء

لم يكن الإيطالي ليوناردو دا فنشي Leonardo da Vinci  1452-1519 معمارياً يحمل شهادة أكاديمية، بل كان موسوعياً يرى الكون كآلة ميكانيكية عملاقة تتداخل فيها فيزياء الحركة مع تشريح الجسد. ففي عصر النهضة عاصر دا فينشي فظائع طاعون ميلانو الذي حصد نصف سكان المدينة بسبب تكدس الأزقة بالنفايات وغياب نظام الصرف الصحي، مما دفعه لرفض واقع المدن العشوائية وتصميم مدينة ميكانيكية سابقت عصرها ب500 عام.

قامت فلسفته الانشائية على مبدأ ثوري حيث اقترح منظومة حضرية متعددة المستويات، مستويات علوية مكشوفة للشمس والهواء مخصصة لحركة النبلاء، ومستويات سفلية ميكانيكية بالكامل تحتوي على قنوات مائية متحركة، أنظمة صرف صحي متطورة، وممرات لتفريغ البضائع لمنع تراكم النفايات وانتشار الأوبئة. في ذلك الوقت قوبلت أفكاره بالرفض التام واعتبرت ضرباً من الخيال العلمي المفرط، ولم يستوعب العالم عبقرية تخطيطه الحضري الا مع نشوء شبكات المدن الحديثة في القرن العشرين.

فيليبو بروناليسكي | سارق أسرار البناء الروماني

فيليبو بروناليسكي : سارق أسرار البناء الروماني
فيليبو بروناليسكي : سارق أسرار البناء الروماني

في فجر عصر النهضة في فلورنسا كان فيليبو بروناليسكي Filippo Brunelleschi 1377-1446 صائغ ذهب ونحاتاً حاد الطباع وعصبياً يمتلك عقلية رياضية صارمة قادته لاكتشاف قوانين المنظور الهندسي الخطي. فبعد خسارته لمسابقة نحت شهيرة، أصيب باحباط شديد وهجر مدينته متوجهاً الى روما، حيث عاش سنوات ينقب ويتأمل في هيكل قبة البانثيون القديمة، سارقاً أسرار البناء الروماني المفقودة ليعود بها متعدياً الجميع.

عندما طرحت فلورنسا مسابقة لبناء قبة كاتدرائية سانتا ماريا ديل فيوري Santa Maria del Fiore والتي كانت أكبر قبة مبنية من الطوب في العالم، صدم بروناليسكي معماريين المدينة باعلانه أنه سيبنيها دون استخدام أي سقالات خشبية تدعمها من الأسفل. وعليه فقد اعتمد على عبقرية فيزيائية تقوم على رص الطوب على شكل عظام السمكة Herringbone Brick Pattern لتجعل القبة تدعم نفسها ذاتياً أثناء الارتفاع. اتهم بالجنون والهرطقة في البداية حتى أن الحراس قاموا بطرده في احدى الجلسات لرفضه كشف معادلاته خوفاً من السرقة. لكنه أثبت نظريته ميكانيكياً وتحول في نظر العالم من مجنون متهور الى الأب الروحي لعمارة النهضة الإيطالية.

المعمار سنان | العبقري الذي غير أفق إسطنبول

المعمار سنان: العبقري الذي غير أفق إسطنبول
المعمار سنان: العبقري الذي غير أفق إسطنبول

على النقيض بدأت رحلة العثماني المعمار سنان Mimar Sinan 1489-1588 من جبهات القتال كمهندس عسكري في جيش الانكشارية العثماني. قامت هذه الخلفية الصلبة فلسفة المعمار سنان تقوم على 3 مبادئ: السرعة، المتانة الفائقة، وحل المشكلات الميدانية المعقدة تحت ظروف الحرب. لذلك فعندما استلم منصب رئيس المعماريين وهو في الخمسينات من عمره، كانت مبانيه محصنة فيزيائياً ضد الزمن.

ابتكر سنان مبدأ الفراغ المركزي الموحد تحت قبة عملاقة واحدة محاطة بنوافذ ضخمة لتأمين الضوء، ويروى ابتكاره لنظام تهوية طبيعي يسحب دخان الشموع داخل مساجده ويجمعه في غرفة خاصة لاعادة تدويره كحبر عالي الجودة للكتابة. والأهم من ذلك أنه طور حلولاً إنشائية للأساسات وتحسين التربة ساعدت منشآته على مقاومة النشاط الزلزالي..

حظي سنان بدعم سياسي ومادي مطلق من سلاطين الدولة العثمانية، وشيد أكثر من 300 مبنى ليصبح العبقرية المعمارية التي غيرت خط أفق إسطنبول الى الأبد بحلول هندسية تقاوم الزلازل حتى يومنا هذا.

أنطوني غاودي | ناسك الطبيعة ومجنون برشلونة

أنطوني غاودي: ناسك الطبيعة ومجنون برشلونة ومن  معماريين غيروا تاريخ العمارة
أنطوني غاودي: ناسك الطبيعة ومجنون برشلونة ومن معماريين غيروا تاريخ العمارة

نشأ الاسباني الكتلوني أنطوني غاودي Antoni Gaudí 1852-1926 في بيئة ريفية، وعانى في طفولته من مرض الروماتيزم، مما جعله يقضي سنواته الأولى ساكناً يتأمل الطبيعة. أنتجت هذه الخلفية لديه عقيدة فكرية ودينية متشددة ترى أن الطبيعة هي التصميم الإلهي الكامل. وأن الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة هي صنيعة بشرية قاصرة لا وجود لها في خلق الله.

جسد غاودي مبدأ المحاكاة الحيوية البنيوية، فكان يصمم مبانيه مثل كنيسة ساغراددا فاميليا Sagrada Família وكاسا باتلو Casa Batlló استناداً الى أشكال عضوية حية، فالأعمدة الانشائية لديه تحاكي جذوع الأشجار والأسقف تشبه الهياكل العظمية للحيوانات. كان يدرس توزيع أحمال الجاذبية الطبيعية تحت تأثير الوزن، ثم يقلب التصميم الهندسي ليبنيه على الأرض! مستخدماً نماذج السلاسل المعلقة Catenary Models لدراسة مسارات قوى الضغط الطبيعية.

تأرجح معماريين العالم في استقبال أفكاره بين الانبهار التام والسخرية، واعتبر نقاد عصره مبانيه عبارة عن كوابيس سريالية. عاش غاودي زاهداً كالمتشردين ومات تحت عجلات ترام دون أن يتعرف عليه أحد بسبب ملابسه الرثة، لتتحول برشلونة اليوم عالمياً الى مدينة غاودي.

ميك بيرس | المعاصر الذي استعار حلوله من النمل

ميك بيرس: المعاصر الذي استعار حلوله من النمل
ميك بيرس: المعاصر الذي استعار حلوله من النمل

في العصر الحديث حيث تستهلك أنظمة التكييف الميكانيكية الكثير من الطاقة، يبرز المعماري الزيمبابوي ميك بيرس Mick Pearce 1938- اليوم كأحد رواد العمارة المستدامة. فنشأته في أفريقيا حيث الانقطاع المستمر للكهرباء والارتفاع الحاد في درجات الحرارة جعلته يدرك أن استيراد حلول التبريد الغربية الى القارة السمراء ما هو الا عبء اقتصادي وهندسي، مما دفعه للبحث عن حلول في مختبر الطبيعة الافريقية.

تبنى بيرس مبدأ التصميم البيئي السلبي، وفي مشروعه الأيقوني إيستجيت سنتر Eastgate Centre في هراري، قام بمحاكاة فيزيائية ذكية لهندسة تلال النمل الأبيض وهي الهياكل التي تحافظ على درجة حرارة ثابتة بالداخل رغم تقلبات الطقس الخارجية. صمم المبنى التجاري الضخم بفتحات تهوية طبيعية دقيقة وأعمدة خرسانية عالية الكثافة تمتص الحرارة نهاراً وتطلقها ليلاً. قوبل مشروعه بذهول واشادة دولية واسعة، ومثبتاً أن الحلول المستدامة ليست بحاجة الى تكنولوجيا معقدة وانما الى فهم عميق للطبيعة.

ان استعراض سير 5 معماريين يثبت حقيقة واحدة، وهي أن العمارة الناجحة لا تولد من مجرد اتباع الصيحات السائدة، بل من رحم المعاناة وتحدي الجغرافيا وفهم سلوك الانسان. فالمصمم الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة لكسر القوالب الجاهزة في عصره ليصيغ حلولاً تعيش وتتنفس في واقع الأرض، تاركاً خلفه بصمة تعبر الحدود وتتحمل اختبار الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى