التخطيط

جدار الفصل العنصري | هندسة التمزيق المكاني

في عام 2002 بدأ تشييد جدار الفصل العنصري ليمتد على طول أكثر من 700 كم. معمارياً فالجدار ليس خطاً على الخريطة وانما هو كتلة خرسانية بارتفاع يصل الى 8-9 أمتار أي ضعف ارتفاع جدار برلين تخترق الأحياء السكنية العربية وتفصلها عن بعضها دون مراعاة لخصوصيتها وتكوينها العمراني

تدمير الامتداد البصري

أخطر ما فعله جدار الفصل العنصري هو تدمير الامتداد البصري. فمدينة مثل قلقيلية باتت محاطة بالجدار من جهاتها الأربعة تقريباً، مما خلق ما يسمى بعمارة الجيتو. عندما يفقد الانسان القدرة على رؤية الأفق، يتغير سلوكه العمراني، فنلاح زيادة في الاكتظاظ الرأسي العشوائي داخل المدن الفلسطينية نتيجة منع التوسع الأفقي. يولد هذا الضغط العمراني بيئة سكنية تفتقر للخصوصية ويشعر بالضغط النفسي والاختناق.

جدار الفصل العنصري
جدار الفصل العنصري

جيوسياسية الخرسانة الباردة

الجدار ليس وسيلة منع وانما هو أداة اتصال بصرية عدوانية. فعند اختيار الخرسانية الرمادية الخام Fair Face Concrete كاكساء نهائي للجدار يهدف لبث شعور بالديمومة والصلابة، واحباط أي محاولة للتفكير في اختراقه. وفقاً لدراسة أجرتها جامعة بيرزيت عام 2022 فان السكان الذين يعيشون بمحاذاة الجدار يعانون من مستويات عالية من القلق الفراغي، حيث يشعر الساكن أنه في سجن مكشوف.

فمنذ قرار رقم 815 في يونيو 2002 تحول جدار الفصل العنصري الى أكبر مشروع هندسي استفزازي في تاريخ فلسطين. لم يكن الجدار مجرد كتلة خرسانية، بل منظومة تقنية واقتصادية متكاملة شاركت في بنائه شركات دولية ومحلية، محولة الخرسانة الى سوق ربحي يعتمد على تكنولوجيا المراقبة، الحساسات الحرارية، الرادارات الأرضية، ومنظومة الكاميرات الذكية التي تدار عبر غرف عمليات ميكانيكية لا تهدأ.

جدار الفصل العنصري: القدس وضواحيها

مزق جدار الفصل العنصري الأحياء والمدن بوقاحة معمارية لم يسبق لها مثيل، ففي القدس وضواحيها كأبو ديس، الرام، وضاحية البريد شق الجدار الشارع الواحد الى نصفين، فصل الأخ عن أخيه والمدرسة عن طلابها. أما في قلقيلية فقد تحولت المدينة عام 2003 الى سجن مفتوح محاط بالخرسانة بنسبة 90% مع وجود بوابة وحيدة تتحكم في مصير آلاف السكان. لم يكتف هذا الفصل بالكتلة بل فرض طرقاً ملتوية تجعل المسافة التي كانت تقطع في 5 دقائق تستغرق ساعات عبر حواجز وممرات التفاتية، مما دمر كفاءة الحركة الحضرية وشل الاقتصاد المحلي.

ان جدار الفصل العنصري ليس مجرد عائق عائق فيزيائي بل هو محرك اقتصادي لمنظومة السيطرة التي تستثمر في خنق الفلسطينيين. حولت هندسة الجدار المدن الفلسطينية من فضاءات مفتوحة الى كانتونات مخنوقة تفتقر لأبسط معايير التواصل البصري والحركي. ان الآثار السيكولوجية والاجتماعية التي خلفها تمزيق البلدات مثل نزلة عيسى وباقة الشرقية لا يمكن ترميمها بمخططات هندسية تقليدية. لقد فرض الجدار واقعاً معمارياً مشوهاً يعيد تعريف الجيرة والقرابة من خلال الأسلاك الشائكة والكتل الاسمنتية الصماء، مما يجعله الجريمة المعمارية الأكبر التي استهدفت وحدة النسيج الاجتماعية في العصر الحديث، محولة جغرافيا الوطن الى شظايا عمرانية متنافرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى