العمارة

من الفكرة الى المبنى | كيف تعمل المنظومة الهندسية؟

لا تزال الصورة النمطية السائدة في كثير من المجتمعات العربية تختزل العملية الهندسية لتشييد المباني في دور المهندس المدني، وكأن المشروع بأكمله ما هو الا نتاج ثمرة تخصص واحد. الا أن الواقع المهني أكثر تعقيداً، فالمبنى الحديث عبارة عن منظومة هندسية متكاملة تتقاطع فيها العمارة مع الانشاء، والطاقة، والأنظمة الميكانيكية، والادارة والتكنولوجيا.

المنظومة الهندسية الأساسية

رغم اختلاف أحجام المشاريع الا أن معظمها يقوم على 4 تخصصات رئيسية تشكل العمود الفقري لأي فريق هندسي:

 المهندس المعماري

يقود المعماري Architect الرؤية المكانية الفراغية والوظيفية للمشروع، بدءاً من دراسة احتياجات المستخدمين وتحليل الموقع وصولاً الى تشكيل الفراغات وتنظيم حركة المستخدمين. واستثمار الضوء الطبيعي والتهوية والعلاقة بين الكتل العمرانية. ولا يقتصر دوره على التصميم الجمالي بل يعد حلقة الوصل بين مختلف التخصصات. اذ ينسق أعمالها ويوازن بين متطلباتها لضمان تحول الفكرة المعمارية الى مشروع متكامل دون فقدان هويتها التصميمة.

المهندس المدني

يتولى المهندس المدني Civil Engineer تحويل الكتل المعمارية الى نظام قادر على مقاومة الأحمال المختلفة. فيحسب تأثير الجاذبية، الرياح، والزلازل، ويختار النظام الانشائي الأنسب سواء كان من الخرسانة المسلحة أو الفولاذ أو أنظمة انشائية أخرى. ثم يحدد أبعاد العناصر الانشائية بما يضمن سلامة المنشأة واستقرارها طوال عمرها الافتراضي.

المهندس الميكانيكي

يقوم المهندس الميكانيكي Mechanical Engineer بتصميم الأنظمة التي تحافظ على البيئة الداخلية للمبنى، وتشمل أنظمة التكييف والتهوية HVAC وشبكات المياه والصرف الصحي، وأنظمة مكافحة الحرائق والتحكم بالأدخنة ليضمن راحة المستخدمين وسلامتهم وكفاءة تشغيل المبنى.

المهندس الكهربائي 

يتولى المهندس الكهربائي Electrical Engineer تصميم الشبكة الكهربائية للمبنى، بداية من حساب الأحمال الكهربائية وتوزيع الطاقة مروراً بأنظمة الاضاءة والطوارئ ووصولاً الى أنظمة التيار الخفيف مثل الانذار بالحريق، وشبكة الاتصالات، وأنظمة ادارة المباني الذكية BMS.

تشعب التخصصات الهندسية 

في المشاريع الهندسية الكبيرة تتفرع التخصصات لتصبح أكثر تخصصية.
في المشاريع الهندسية الكبيرة تتفرع التخصصات لتصبح أكثر تخصصية.

لا يبقى الفريق الهندسي بالحجم نفسه في جميع المشاريع، بل يتوسع كلما ازاد حجم المشروع وتعقدت وظائفه. ففي المشاريع الصغيرة كالمنازل أو المباني التجارية المحدودة يستطيع فريق هندسي صغير ادارة المشروع بكفاءة، اذ يتولى المعماري التصميم ويصمم المدني الهيكل الحامل بينما يتولى فريق الكتروميكانيكي تصميم شبكات الكهرباء والميكانيك.

أما في المشاريع الكبيرة كالمطارات، المستشفيات، الأبراج، والمدن الذكية فتتحول كل تخصصات الهندسة الى منظومات أكثر دقة يتفرع عنها عشرات التخصصات.

الجانب المعماري: يتفرع من التخصص الهندسة المعمارية عدة تخصصات منها 

  • معماري الواجهات الخارجية Facade Specialist المسؤول عن أداء الواجهات الحراري والانشائي. 
  • المعماري الداخلي Interior Architect الذي يركز على جودة الفراغ الداخلي.
  • معماري اللاندسكيب Landscape Architect الذي يصمم البيئة الخارجية والعلاقة بين الطبيعة والعمران.
  • المخطط الحضري Urban Designer
  • متخصص الحفاظ على المباني التاريخية Conservation Architect في المشاريع التراثية.

أما في الجانب الانشائي فتبرز عدة تخصصات فرعية منها:

  • مهندس الجيوتكنيك Geotechnical Engineer لدراسة التربة والأساسات.
  • مهندس الطرق والنقل Transportation Engineer.
  • مهندس البنية التحتية Infrastructure Engineer.
  • مدير الانشاءات Contruction Manger المسؤول عن تنفيذ المشروع ميدانياً.

وفي أنظمة المباني تتفرع الهندسة الميكانيكية الى تصميم التكييف، السباكة، أنظمة مكافحة الحرائق والغازات الطبية. بينما تتشعب الهندسة الكهربائية الى تصميم القدرة الكهربائية، الاضاءة، التيار الخفيف وأنظمة المباني الذكية.

التنسيق الهندسي

تعتمد المشاريع الكبرى الى جانب المصممين على تخصصات ادارية لا تقل أهمية عن التخصصات الهندسية، في الحقيقية هي عبارة عن تخصصات متقدمة أساسها تخصصات هندسية مثل:

  • مدير المشروع Project Maneger المسؤول عن التنسيق بين المالك، الاستشاري، والمقاول، ويشرف على الجدول الزمني، الميزانية، ادارة المخاطر ، واتخاذ القرارات التنفيذية التي تضمن سير المشروع وفق الخطة.
  • مهندس الكميات Quantity Surveyor / Cost Engineer دوراً محورياً في اعداد الكميات، ضبط التكاليف، متابعة العقود، وتحليل الأثر المالي لأي تعديل تصميمي بما يحقق التوازن بين الجودةوالميزانية.   

النموذج الهندسي الرقمي

ساعد BIM على تنسيق الجهود الهندسية بمختلف تخصصاتها
ساعد BIM على تنسيق الجهود الهندسية بمختلف تخصصاتها

كلما ازداد التخصصات المشاركة في المشروع، ازدادت احتمالية حدوث تعارضات بين الأنظمة المختلفة، فقد يمر مجرى هواء ميكانيكي داخل المساحة نفسها المخصصة لكمرة انشائية، أو تتقاطع مسارات الكابلات الكهربائية مع أنابيب المياه. ولمعالجة هذه الاشكاليات، ظهرت تقنية نمذجة معلومات المباني Building Information Modeling- BIM التي تتيح لجميع أعضاء الفريق العمل داخل نموذج رقمي موحد يمثل المبنى بكل عناصره.

من خلال هذا النموذج يستطيع كل تخصص مراجعه أعماله بالتزامن مع بقية التخصصات، واكتشاف التعارضات قبل وصولها الى موقع التنفيذ. وهكذا لم يعد BIM مجرد برنامج للرسم ثلاثي الأبعاد بل تحول الى منصة تنسيق وادارة معرفية توحد لغة جميع المشاركين في المشروع، توفر الوقت وتقلل الأخطاء وترفع جودة التنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى