التخطيط

ما وراء الرماد | هل نبني مدننا أم نستنسخ أخطاءنا؟

خلف كل ركام خلفته الحرب تنمو رغبة إنسانية جارفة نحو الاستعادة والعودة الى الحياة المعتادة، فهو ميل فطري لمحاولة ترميم الشروخ النفسية عبر بعث الألفة في الزوايا التي شهدت تفاصيل الحياة اليومية، ويسعى السكان مدفوعين بصدمة الفقد الى استنساخ الماضي ظناً منهم أنه الطريق الأقصر لشفاء الذاكرة، غير أن الترميم العاطفي رغم نبالة منطلقاته قد يتحول في فلسفة العمران الى العدو الأول للمدينة التي تطمح للصمود.

ويخبرنا تاريخ المدينة أن الحروب هي لحظة تسييل قاسية للواقع العمراني، فما حدث في برلين أو طوكيو أو بيروت، والآن في غزة يثبت أن محاولة “جبر الكسر” بالشكل التقليدي غالباً ما تعيد انتاج الهشاشة ذاتها. ان الحروب تغير الديموغرافيا وتحطم شبكات الاعتماد بالتبادل وتكشف عيوباص هيكلية كانت مستترة خلف الجدران الجميلة. لذا فان إعادة الاعمارة المرنة يجب أن تتحرر من سلطة الحنين الضيق لتتحول الى فعل تصحيح تاريخي. وهي الفرصة التي تمنح للمعماري والمخطط بالتفكير بحلول عقلانية ومنطقية في التوفيق بين الكثافة السكانية العالية وبين تحقيق الخصوصية ومعايير الاستدامة. ان مأساة الحرب تضعنا أمام خيارين: اما إعادة البناء لما كان عليه أو تصميم يكون قادراً على امتصاص الصدمات الحالية والقادمية سواء كانت مادية أو نفسية أو اقتصادية؟

نموذج روتردام (هولندا): الانتحار المعماري من أجل المستقبل

في عام 1940 دمر القصف النازي مركز المدينة تماماً. لم تكن مدينة روتردام مجرد مجموعة من المنازل بل كانت نسيجاً من العصور الوسطى المتمثلة بالشوارع الضيقة والقنوات المائية والبيوت الخشبية والحجرية المتراصة. وبعد أسابيع فقط من القصف اتخذ المخطط فان ترا قراراً براديكالية مرعبة وهو منع إعادة بناء أي مبنى كما كان. حتى الكنائس والمباني التاريخية التي بقيت أجزاء منها قائمة فقد أمر بهدمها .

وكانت فلسفته التصميمة تتمثل في أن المدينة كانت تعاني من العديد من المشاكل والمعيقات نتيجة التطور والتقدم في وسائل المواصلات وفي أنماط المعيشة عن العصور الوسطى، فلماذا نعيد بناء روتردام بنفس المعيقات بينما تسنح الفرصة للتحسين والتعديل؟

وعليه فقد تم تحويل بعض الملكيات الخاصة الصغيرة الى ملكية عامة لاعادة تقسيمها، كما تم انشاء أول شارع تسوق للمشاة فقط في العالم، وتم فصل مسارات السيارات عن المناطق السكنية. فقدت روتردام روحها التاريخية للأبد وقد يصفها بعض النقاد بأنها مدينة بلا روح ومدينة باردة لكنها وظيفياً تعد الأكثر كفاءة في أوروربا.

وارسو (بولندا): الترميم الحنيني كفعل مقاومة

دمرت مدينة وارسو بنسبة 85% عام 1944 لكن الوضع فيها كان مختلفاُ عن روتردام، فقد كان التدمير انتقامياً من النازيين بهدف محو الهوية البولندية. وقد قرر البولنديون أن إعادة بناء وارسو كما كانت تماماً هو الرد الوحيد على محاولة محو وجودهم. وقد اعتمد المعماريون على لوحات الفنان الإيطالي كاناليتو من القرن الثامن عشر وعلى صور فوتوغرافية قديمة وحتى على رسومات الطلاب قبل الحرب لاعادة بناء البلدة القديمة حجراً بحجر وبنفس الشقوق والزوايا.

تقنياً فمدينة وارسو تعتبر مدينة مزيفة، فهي قشرة داخلية بداخلها خرسانة حديثة. وتعاني المدينة من ضيق المسارات وعدم قدرتها على استيعاب التوسع الحديث في مركزها التاريخي، مما دفع النمو الحضري للهروب بعيداً عن المركز.

غزة (فلسطين): عندما تصبح الكثافة قيداً

في السياق الفلسطيني وتحديداً في قطاع غزة، لم يبدأ الانهيار العمراني مع دوي أول قذيفة بل كان نتاج عقود من التكدس الانشائي الحرج، فقبل الحرب كانت غزة تعيش حالة انفجار فراغي، حيث سجن أكثر من مليوني انسان في شريط ساحلي ضيق، بكثافة سكانية جاوزت 5.700 شخص لكل كيلومتر مربع. لم يكن هذا التراكم نمواً حضرياً مدروساً بل كان عمراناً اضطرارياً، أي كتل متراصة من الخرسانة نمت رأسياً وأفقياً دون ترك مسافة للتنفس. فبينما توصي المنظمات الدولية UN-Habitat بضرورة تخصيص 15 % من مساحة المدينة كفراغات عامة، كانت غزة في أكثر أماكنها حيوية لا تتجاوز 1%. اليوم وبحسب تقارير UNOSAT لعام 2025 تحول هذا النسيج الى ركام بنسب دمار تجاوزت 70% في المناطق الحضرية. لكن لا تكمن الكارثة الكبرى في فقدان الأبنية ولكن في إعادة بنائه على أخطاءها وعيوبها، فيعود ساكنيها لمعاناتهم التي كانت دون تحسينها وتعديلها.

إن إعادة إعمار مدننا هي الاختبار الحقيقي لوعينا المعماري. فإما أن ننساق وراء “حنين الأطلال” ونعيد بناء سجوننا القديمة بخرسانة جديدة، أو نملك الشجاعة لتكون عمارتنا تعرف كيف تتنفس تحت الضغط، وكيف تنمو بكرامة فوق الرماد.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على James Kim إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى