التخطيط

هندسة العشوائيات| حين يكون اللانظام قمة الذكاء

تتجلى المعضلة الكبرى في الفكر المعماري المعاصر في تلك المفارقة الصارخة بين التخطيط الشبكي Grid Planning الحديث وبين التخطيط العضوي Organic Planning الناشئ منذ الأزل. فبينما تتبنى العقلية الأوروبية الصارمة فلسفة المكان المتوقع الذي يعتمد على المحاور المتعامدة والزوايا القائمة. نجد أن شعوب آسيا ومدنها الحية كالقدس وطوكيو والقاهرة قد طورت نسيجاً حضرياً يبدو للوهلة الأولى فوضوياً لكنه في الحقيقة يتبع خوارزمية ذكاء جماعي مرنة. ان الفرق هنا ليس مجرد ليس مجرد ذوق جمالي وانما هو صدام بين عقلية الآلة الأوروبية التي تقدس التحكم والجمود الممل وبين العقلية العضوية التي ترى المدينة كائناً يتنفس وينمو ويخطئ مما يخلق تبايناً جذرياً بين مدن للمشاهدة من نافذة الطائرة وأخرى للعيش والتجوال.

لما ترفض أجسامنا الخط المستقيم؟

يخبرنا العلم بحقيقة أنه لا توجد خطوط مستقيمة في الطبيعة، من بنية ال DNA الى تعرجات الأنهار وأغصان الشجر، كل شيء يتبع الهندسة المتعرجة. والتفسير العلمي لراحتنا النفسية في المدن العضوية يكمن في أن أدمغتنا مبرمجة بيولوجياً على معالجة الأنماط المعقدة وغير المنتظمة. فالخط المستقيم الحاد يسبب ما يعرف بالاجهاد البصري كونه يفتقر الى المعلومات التي تبحث عنها العين لتفريغ شحناتها الادراكية. فالمدن ذات المسارات المتعرجة تحاكي المسارات العصبية في الدماغ مما يجعل عملية الاستكشاف تفرز الدوبامين باستمرار بينما الشوارع الشبكية الواسعة تميت غريزة الاستكشاف وتحول المشي الى عملية ديناميكية مفرغة من المعنى النفسي.

الجهاز العصبي للمدينة: من النمل الى الذاكرة المكانية

اذا ما نظرنا الى هندسة تجمعات الحشرات كالنمل والنحل سنجد أنها لا تتبع مخططاً مركزياً بل تعتمد على الذكاء السربي حيث تؤدي القرارات الفردية الصغيرة الى نظام كلي فائق الكفاءة. هذا هو بالضبط ما نراه بين مدينتين متناقضتين كمدينة برازيليا المدينة التي صممت ليتم النظر اليها من الأعلى لتبدو كصحراء خرسانية معزولة وبين طوكيو أو أزقة القاهرة التي نمت كالجهاز العصبي.

تعمل الذاكرة المكانية للإنسان بشكل أقوى فالانحناءات والروائح وتغير مستويات الضوء، والزوايا غير المتوقعة تعمل كعلامات مرجعية مميزة Landmarks ذهنية. أما في المدن الشبكية المتشابهة في التخطيط يضيع الانسان في تيه التكرار، حيث كل تقاطع يتشابه مع الآخر مما يؤدي الى ضعف الارتباط العاطفي مع المكان وتحوله الى فضاء وظيفي بحت لا الى هوية مكانية تتشابه في ملامحها مع سكانها.

عمارة الاحتمالات: المدينة كورشة عمل لا كمنتج نهائي

فالمدن التي تتبع التخطيط العضوي تمتلك ما يسمى بالمناعة الحضرية، فهي مدن غير مكتملة بطبيعتها ومستمرة بالنمو بحيث تترك مساحة للارتجال البشري. على سبيل المثال العقلية الآسيوية الحية تدرك أن المدينة عبارة عن ورشة عمل مستمرة Wabi-Sabi حيث يمكن للزقاق أن يتحول الى سوق كما يمكن للمبنى أن يصبح مطعماً وللسطح أن يصبح حديقة، هذا النظام الغير مكتمل هو ما يمنحنا حق المشاركة في صنع المكان بينما التخطيط الأوروبي الصارم يقدم منتجاً نهائياً يرفض التعديل مما يشعر سكانه بالاغتراب.

يكمن الجمال الحقيقي في الفوضة المنظمة لا في التناظر الهندسي الصارم، فالمدينة مرآة لتعقيد النفس البشرية متجاوزة حدود الخطوط المستقيمة لتصبح كائناً حياً لا يتوقف عن النمو.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على Ivy Torres إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى