تاريخ ونظريات

شيفرة الجسد البشري في العمارة الاغريقية

لم تكن العمارة الاغريقية مجرد مهنة لتشييد الجدران، بل كانت تجسيداً مادياً للفلسفة والدين والميثولوجيا. فقد كان الكون محكوماً بنظام رياضي صارم يعكس النظام الآلهي في مواجهة الفوضى العشوائية بالنسبة للمعماري اليوناني القديم. من هذا المنطلق تحولت المعابد من دور عبادة صامتة الى أدوات بصرية تشرح فلسفة الوجود، وتكشف كيف نظر الاغريق الى أنفسهم والى الآلهة.

مواد البناء عند الاغريق

اعتمد الاغريق البرونز والخشب في بعض العناصر الإنشائية والزخرفية قبل أن يهيمن الرخام على المعابد الكلاسيكية. فقد كان الرخام الأبيض خاصة رخام بنتيليك هو المادة الأساسية الى جانب الحجر الجيري. لم يستخدم الرخام لقوته الانشائية فحسب، بل لقدرته الفائقة على عكس الضوء والظل بدقة متناهية، مما سمح للنحاتين والمعماريين بابراز التفاصيل الدقيقة للأعمدة والزخارف، وكأن الحجر يتنفس تحت أشعة الشمس المتوسطية.

تأثير العقيدة على العمارة الاغريقية

لم تبنَ المعابد الاغريقية لكي يدخلها عامة الشعب، وانما كانت تصمم لترى من بعيد. فالمعبد هو بيت الاله حيث يقبع تمثاله في الداخل، وتجري الطقوس الدينية في الساحات المفتوحة حوله. لذلك كانت الواجهات الخارجية بمثابة بيان ديني وسياسي، لذلك أولى الإغريق عناية استثنائية بالمنظور الخارجي للمعبد، إذ كان المبنى مصمماً ليشاهد من جميع الجهات، وليس من واجهة واحدة فقط.

شيفرة الجسد البشري

وصف فيتروفيوس في كتابه De Architectura الفلسفة التناسبية التي اعتمدها الإغريق، مبيناً العلاقة بين الجسد البشري والنظام المعماري. فلم ينظر الاغريق الى الحجر ككتلة صماء ، بل رأوا فيه امتداد للجسد البشري، فلم يصمموا أبعاد أعمدتهم ونسبها الرياضية عشوائياً بل قاموا بتشريح الانسان واستنباط القوانين الهندسية من مفاصله وتفاصيله الحيوية، مقسمين الأعمدة الى 3 طرز رئيسية تعكس التدرج العمري والجنسي للبشر:

الطراز الدوري: محاكاة الرجل القوي

منظور رأسي لعمود أثري من العمارة الاغريقية من الطراز الدوري، يتميز ببدنه الضخم المضلع بحواف حادة، وينبت مباشرة بدون قاعدة لينتهي بتاج وسادة دائرية هندسية مصمتة تخلو من الزخارف.
منظور رأسي لعمود أثري من العمارة الاغريقية من الطراز الدوري، يتميز ببدنه الضخم المضلع بحواف حادة، وينبت مباشرة بدون قاعدة لينتهي بتاج وسادة دائرية هندسية مصمتة تخلو من الزخارف.
تمثال رخامي كلاسيكي يجسد البنية التشريحية العضلية لجسد رجل رياضي قوي الصدر، ملتف جزئياً بثوب يحاكي في وقاره وقوته صلابة وهيبة العمود الدوري الإغريقي.
تمثال رخامي كلاسيكي يجسد البنية التشريحية العضلية لجسد رجل رياضي قوي الصدر، ملتف جزئياً بثوب يحاكي في وقاره وقوته صلابة وهيبة العمود الدوري الإغريقي.

عندما شرع الاغريق في بناء أولى معابدهم الكبرى مثل معبد الآلهة الذكور ك”أبولو” أو آلهة القوة والحروب، بحثوا عن طراز يعكس الثبات، الهيبة، والقدرة على تحمل الأوزان الهائلة. ثم اهتدى تفكيرهم الى جسد الرجل الرياضي كنموذج للمثالية والقوة والوقار البصري.

قام الغريق بقياس جسد الرجل، فوجدوا أن طول قدمه يشكل تماماً سدس طوله الإجمالي. وبناءً على هذه القاعدة التشريحية حددوا أبعاد العمود الدوري، فاذا كان قطر قاعدة العمود متراً واحداً يجب أن يرتفع صعوداً 6 أمتار.

كما نحت العمود بدون قاعدة فهو ينبت من الأرض مباشرة كقدم رجل ثابتة بهدف تعميق الشعور بالقوة، وحفرت في بدنه خطوط رأسية حادة لتشتيت الضوء وإبراز التجسيم العضلي للعمود تحت الشمس. أما التاج فجاء وسادة دائرية هندسية تخلو من أي زينة لتجسيد الخشونة والصلابة الرجولية المعفية من الرتوش.

الطراز الأيوني: محاكاة المرأة الرشيقة

لقطة لتاج عمود من الطراز الأيوني الكلاسيكي، تظهر بوضوح الأشكال الحلزونية الملتوية المميزة التي تحاكي خصلات الشعر المموجة على جانبي البدن المضلع.
لقطة لتاج عمود من الطراز الأيوني الكلاسيكي، تظهر بوضوح الأشكال الحلزونية الملتوية المميزة التي تحاكي خصلات الشعر المموجة على جانبي البدن المضلع.
تمثال رخامي كلاسيكي يجسد البنية الرشيقة والنحيفة لجسد أنثوي ملتف بثوب ذي طيات رأسية منسابة
تمثال رخامي كلاسيكي يجسد البنية الرشيقة والنحيفة لجسد أنثوي ملتف بثوب ذي طيات رأسية منسابة

مع انتقال الحضارة الاغريقية نحو تشييد معابد لآلهة الاناث والحكمة مثل أرتميس أو أثينا، شعر المعماريون أن الطراز الدوري الخشن لا يعبر عن طبيعة الأنثى. ولد هنا الطراز الأيوني ليكون ترجمة بصرية للرشاقة والنعومة والشاعرية. وعليه فقد أعادوا صياغة النظام الرياضي بالكامل، فبدلاً من نسبة السدس اعتمدوا نسبة الثمن محاكاة للجسد الأنثوي الذي يتميز بالطول والنحافة مقارنة بالرجل.

استلهم الاغريق تفاصيل المرأة بدقة مذهلة، حيث يتميز التاج الأيوني بالقرون الملتوية الحلزونية التي تحاكي خصلات شعر المرأة المموجة أو تسريحتها التقليدية المتدلية على الجانبين. بينما جعلوا حواف الخطوط الرأسية المحفورة على البدن دائرية وناعمة تفصل بينها مساحات مسطحة لتشبه طيات ثوب المرأة المنساب بنعومة. كما أضافوا للعمود قاعدة دائرية متدرجة تعمل كحذاء لتفصل العمود عن الأرض وتمنحه خفة بصرية وكأنه يكاد يرتفع عن السطح.

الطراز الكورنثي: محاكاة الفتاة الشابة

تفاصيل لتاج عمود من الطراز الكورنثي الإغريقي، يبرز الحفر المجسم الكثيف لأوراق نبات الأقنثا التي تلتف صعوداً بنحافة ورشاقة معمارية عالية.
تفاصيل لتاج عمود من الطراز الكورنثي الإغريقي، يبرز الحفر المجسم الكثيف لأوراق نبات الأقنثا التي تلتف صعوداً بنحافة ورشاقة معمارية عالية.
تمثال رخامي أبيض لفتاة إغريقية شابة يبرز ملامح الوجه الرشيقة والجسد النحيف الملتف بثوب ذي طيات ناعمة، مع تفاصيل زينة علوية على الرأس، بخلفية طبيعية لأشجار خضراء باهتة.
تمثال رخامي أبيض لفتاة إغريقية شابة يبرز ملامح الوجه الرشيقة والجسد النحيف الملتف بثوب ذي طيات ناعمة، مع تفاصيل زينة علوية على الرأس، بخلفية طبيعية لأشجار خضراء باهتة.

جاء هذا الطراز متأخراً كذروة للتطور المعماري، ولم يهدف الى تمثيل القوة أو النعومة الناضجة، وانما استهدف تجسيد حيوية وأناقة ورشاقة الفتاة العذراء في ريعان شبابها، حيث الأجساد التي تتقبل الزينة الإضافية والزخارف المعقدة دون أن تفقد توازنها.

دفع ذلك الاغريق بالنسب الى أقصى حدود النحافة البصرية، فجعلوا النسبة 1:9 أو 1:10 مما جعل الأعمدة تبدو شاهقة ورشيقة للغاية، تعطي ايحاء بالصعود السريع نحو السماء. ويعد التاج الكورنثي هو التحفة الفنية الأبرز، حيث استبدلوا الأشكال الهندسية والحلزونية بزخارف نباتية مجسمة ومحفورة بعناية فائقة تحاكي أوراق الأقنثا Acanthus Leaves. تنبت هذه الأوراق من قلب التاج وتلتف عند الحواف صعوداً محاكية اكسسوارات الشعر وتيجان الورد التي كانت تتزين بها الفتيات في الاحتفالات والميثولوجيا الاغريقية، مما حول أعلى العمود من عنصر انشائي يحمل السقف الى قطعة فنية حية ومفعمة بالحركة والتفاصيل المتكررة.

النسبة الذهبية عند الاغريق

منظور أمامي لواجهة معبد البارثينون في أثينا، يظهر نسبة في الفاي لشرح التوازن الرياضي والنسبي لعمارة المعبد الكلاسيكية.
منظور أمامي لواجهة معبد البارثينون في أثينا، يظهر نسبة في الفاي لشرح التوازن الرياضي والنسبي لعمارة المعبد الكلاسيكية.

لم يتوقف الهوس بالجسد عند حدود الشكل البصري بل امتد الى القوانين الرياضية. فمن خلال ملاحظة الطبيعة وتشريح الانسان أي دراسة المسافة بين المفاصل، ونسب الوجه، صاغ الاغريق النسبة الذهبية التي تقدر ب1.618. وقد تجلت هذه العبقرية الرياضية في معبد البارثينون The Parthenon في أثينا، والذي أشرف عليه المعماري إكتينوس وكاليكراتس والنحاث فيدياس. فاذا ما قمنا برسم مستطيل يحيط بواجهة البارثينون سنجد أن النسبة بين طوله وعرضه تطابق تماماً النسبة الذهبية. هذه النسبة هي التي منحت المبنى توازنه البصري المطلق، فالعين ترتاح له فطرياً لأنه يكرر نفس الأنماط الرياضية التي بنيت بها الطبيعة وأجسادنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى