
من يملك قرار تدوير 42 مليون طن من ركام غزة؟
منذ السابع من أكتوبر 2023، تعرضت قطاع غزة لحرب إبادة مكانية هي الأعنف في التاريخ المعماري الحديث . فلم تكن الغارات تستهدف تدمير الكتل الخرسانية فحسب، بل استهدفت المعنى الكامن في الفراغ الحضري. وبحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة والأونروا، فقد خلفت هذه الحرب ما يزيد عن 42 مليون طن ركام حتى مطلع 2026، وهي كمية تكفي لملء خط من الشاحنات يمتد من نيويورك إلى سنغافورة. في غزة، تحول الحيز من مكان للألفة إلى تضاريس من الركام Rubble-scape تغطي أكثر من 70% من المناطق الحضرية، مما أدى إلى محو الملامح الطبوغرافية للمدينة.
اقتصاد الأنقاض
خلف الجانب الإنساني، يختبئ اقتصاد الركام. وتقدر تكلفة إزالة ومعالجة ركام غزة بنحو 1.2 مليار دولار. وتبرز هنا شركات المقاولات العابرة للقارات التي تسعى لاستلاب هذا الملف. المستفيد الأول حالياً هو شركات التكنولوجيا البيئية الغربية التي تفرض معدات فرز ثقيلة وتقنيات معالجة باهظة الثمن، مما يحول الإعمار إلى دورة رأسمالية تخدم المانح أكثر من المنكوب. إن احتكار ماكينة الفرز هو احتكار لقرار إعادة الإعمار؛ فمن يملك الركام يملك المادة الخام التي ستبنى منها المدينة القادمة.
مشهد بانورامي لشارع مدمر في غزة، حيث تحول النسيج الحضري إلى تلال من ركام وأنقاض الرمادية التي تغلق الأفق العمراني.

اتجاهات التعامل مع الركام في خطط اعادة اعمار غزة
خلف ستار التعافي الإنساني و اعادة اعمار غزة، تبرز أجندات هندسية دولية تسعى لتحويل أنقاض غزة والذي تجاوز 42 مليون طن من ذاكرة مكانية إلى أداة رسم خرائط جيوسياسية. نحن أمام ثلاث استراتيجيات كبرى تعيد هندسة الجغرافيا الغزية قسراً:
أولاً: الردم الساحلي
أو ما تسمى بهندسة الرصيف الأمريكي The Pier Strategy فلم تعد أنقاض حي الرمال والزهراء مجرد ركام، بل تحولت إلى قاعدة إنشائية للرصيف البحري JLOTS. هذا الاتجاه، الموثق في نشرات القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM، يستخدم الركام لردم مساحات شاطئية وخلق ألسنة بحرية لوجستية. والحقيقة المعمارية هنا صادمة أننا نردم بحرنا ببيوتنا لنبني موانئ يتم التحكم من خلالها على المدينة، مما يزيح المركز الحضري نحو كانتونات ساحلية خاضعة للرقابة.
ثانياً: التوسع البحري والجزر الاصطناعية
تتجاوز مقترحات مراكز الأبحاث، كمركز بيغن (BESA)، منطق التخلص من الأنقاض لتطرح إزاحة حضرية تهدف لتوسيع المدينة باتجاه الشاطئ عبر ردم الساحل بحطامها. هذا التمدد البحري القسري ليس نمواً طبيعياً، بل هو تعويض مساحي يهدف لتثبيت واقع المسافة العازلة في الشرق؛ عبر سحب الكتلة العمرانية من عمقها الجغرافي التاريخي وطمرها في البحر. ورغم تحذيرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP من الكارثة البيئية لسكب الخرسانة الملوثة، إلا أن الدفع نحو هذا الزحف المائي مستمر كأداة لإعادة رسم حدود المدينة، وتحويل بقايا البيوت إلى جغرافيا بديلة تطمس الملامح الساحلية الأصلية لغزة.
ثالثاً: التضاريس الدفاعية وتشكيل المنطقة العازلة
تثبت صور الأقمار الصناعية وتحليلات منظمة Forensic Architecture أن تجميع الركام في نقاط ارتكاز Hubs على طول ممر نتساريم ليس عملاً عشوائياً. وانما مقترح أمني تتبناه جهات مثل Institute for the Study of War لتحويل الركام إلى تلال اصطناعية Topographical barriers تعيد تشكيل تضاريس الحدود؛ لتصبح أنقاض الماضي عوائق رؤية وحواجز فصل مادية تصعّب حركة السكان وتسهل المراقبة العسكرية.
الركام كفعل مقاومة معماري
هندسياً، فان معالجة أنقاض غزة داخل المدينة On-site Recycling ليست مجرد خيار بيئي، بل هي قرار سيادي. فاستخدام تقنيات الخرسانة المعاد تدويرها Recycled Aggregate Concrete يقلل الاعتماد على استيراد الحصمة عبر المعابر المقيدة أمنياً، ويكسر احتكار اقتصاد الحصار.
إن التعامل مع حطام غزة كحمل لوجستي هو سقطة معمارية وأخلاقية تشارك في طمس ملامح المدينة ببرود تقني. فالمواطن الذي يقف فوق ركامه لا يبحث عن حل لنفايات صلبة، بل ينقب في بقايا منزله؛ في الذاكرة الحية التي لا تقبل المحو. لذا، فإن أي خطة إعمار تتجاهل سيكولوجية الأنقاض وتحوله إلى مجرد مادة خام لمشاريع الردم، هي خطة تعمل على إنهاء ما بدأه الدمار: تجريد الإنسان من حق إثبات مكانه. الإعمار الحقيقي لا يبدأ بآلات الحفر، بل بفرز الذاكرة من بين الركام.



