
هندسة المونديال | هل تمتلك الملاعب روح؟
لا تقاس عظمة ملاعب المونديال بدقة حسابات الاجهاد أو حتى بضخامة الغلاف المبني Building Envelope وانما بقدرتها على التحول من حيز فيزيائي صامت الى كيان حضري ناطق. تكمن المعضلة المعمارية الكبرى في صناعة روح لمنشأة عملاقة، روح تمنعها من أن تكون مجرد جسم غريب مزروع في المدينة. ان هندسة الأرواح في العمارة ليست شعراً بل هي قرار منهجي يبدأ من فهم السياق وينتهي بصياغة التجربة الحسية للمشجع.

ملعب ميونخ الأولمبي: من النازية الى الديموقراطية
في عام 1972 كانت ألمانيا الغربية في مواجهة تحدي التطهير المعماري، فكانت الحاجة الملحة لمحو ارث عمارة النازية الصماء التي ميزت ملاعب 1936. وعبيه فقد فكر المعماري غونتر بينيش Gunter Behnisch والمهندس الانشائي فراي أوتو Frei Otto في صياغة مفهوم العمارة الديموقراطية.
استمد المعماريون الهامهم من الموفولوجيا الطبيعية وحديداً من خيوط العنكبوت وتضاريس جبال الألب. وقد تم تنفيذ الملعب باستخدام سقف من خيام الفولاذ والأكريلك الشفاف يطفو فوق الأرض دون حدود فاصلة بين الملعب والحديقة العامة. تم تصنيف تجربة المشجع بالثورية حين حضوره المباريات حيث كان جزءاً من بانوراما بصرية منفتحة.
لم يمت ملعب ميونخ Olympiastadion München برحيل بطولات المونديال، بل تحول الى أيقونة خالدة تستضيف الفعاليات الثقافية والرياضية حتى يومنا هذا كدليل حي على أن روح الملعب تولد من رحم تحرره من استبداد الجدران.

الخيمة كمنظومة تلاحم اجتماعي
في كأس العالم- المونديال لعام 2022 الذي أقيم في قطر واجه مكتب دار الهندسة Dar Al-Handasah تحدي نقل الروح البدوية الى مشروع بضخامة استاد البيت Al Bayt Stadium ، لم يكن الاجتياج مجرد ملعب وانما بياناً ثقافياً يستوعب 60.000 متفرج.
تم استلهام الاستاد من بيت الشعر أو ما تسمى بالخيمة التقليدية، لكن التنفيذ لم يكن محاكاة شكلية بل استعارة لسلوك الفراغ. حيث صمم الغلاف الخارجي بنسيج يوحي بالدفء والاحتواء مما خلق تجربة نفسية للمشجع تشعره بالانتماء لبيئة مألوفة وليست منشأة صناعية باردة.
يكمن الالهام من فلسفة الضيافة الصحراوية حيث يتحول الملعب الى ملاذ اجتماعي. اليوم، تضمن الروح المستدامة للملعب بقاءه كمركز حضري يضم فندقاً ومراكز اجتماعية، ليثبت أن ملاعب المونديال وأي مبنى آخر يستمد روحه من قدرته على محاكاة لجذور المنطقة.

فيزياء الروح: الضوء والصوت
تبنى الروح في الملاعب عبر الهندسة الحسية، ففي ملاعب المونديال مثل أليانز أرينا Allianz Arena لمكتب هيرزوغ ودي ميرون Herzog & de Meuron يتحول الضوء من وسيلة انارة الى جلد تفاعلي يعبر عن هوية المكان.
أما بالنسبة لهندسة الصوت فتعتمد على الارتداد الأكوستيكي Acoustic Reflection الذي يحول ضجيج الجمهور الى كتلة صوتية تضغط على المساحة، مما يمنح المشجع شعوراً بالرهبة والمشاركة الوجدانية. ان التحكم في صدى المكان هو ما يمنح الملعب هيبته، فالمساحات الصماء تقتل الحماس بينما الفراغات المدروسة صوتياً تنبض بالحياة كأنها كائن حي يتنفس مع الجمهور.

العمارة كفعل يومي
تستند ديمومة روح ملاعب المونديال الى معايير الاستدامة الأساسية وهي الاندماج الوظيفي التام. فالملاعب التي تملك روحاً هي التي تنجح في اختبار اليوم الذي لا تقام فيه مباراة.
وذلك عبر دمج استخدامات غير رياضية في صلب التصميم تلبي حاجة السكان في المنطقة المحيطة، فعلى سبيل المثال تم تحويل الفراغات تحت المدرجات الى مرافق حيوية تخدم المدينة يومياً في ملعب توتنهام هوتسيبر Tottenham Hotspur Stadium في لندن. أما في ملعب دي كويب De Kuip في روتردام فقد تم تحويل مناطق ال VIP والصالات الفاخرة التي نادراً ما تستخدم الى مساحات عمل مشتركة Co-Working Space، أي يتم استغلال القاعات والمدرجات كغرف اجتماعات ومساحات للمؤتمرات والشركات الناشئة مما يضمن تدفقاً بشرياً للمبنى طوال الوقت.
في النهاية فان الملعب الذي يمتلك روحاً لم يكن ذلك مجر هبة غيبية وانما محصلة ذكاء معمار يرفض القولبة ويقدس السياق. ان ملاعب المونديال التي ستبقى في ذاكرة التاريخ هي التي نجحت في أن تكون مرايا لثقافات شعوبها، وأثبتت أن العمارة الحقيقية هي التي تبدأ رحلتها الفعلية حين تنتهي مباراة كأس العالم الأخيرة. والروح هي الأثر الذي سيبقى في نفس المشجع بعد خروجه من البوابة وهي النفس الذي يستمر في المبنى ليجعله جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة للأبد.



