التخطيط

شيفرة أريحا| عندما ولدت المدينة الأولى

لم تكن العمارة يوما اختراعا تقنيا بقدر ما هي استقرار. وفي مدينة أريحا لم تبدأ المدينة بجدار أو شارع ، بل بوعي جديد أن المكان يمكن أن يروض وأن الزمن يمكن أن يقرأ من خلال الحجر. هنا عند نبع عين السلطان كتب الانسان الأول في سجل المدينة ، ليس بوصفها مأوى مؤقت وانما كفعل هدفه البقاء والاستقرار والنمو.

 

أريحا قبل المدينة: النطوفيون ووعي الموقع

تشير الألة الأثرية الى أن أول من سكن منطقة أريحا هم النطوفيون ( حوالي 1200-9500 ق.م) ، وهم جماعات بشرية مثلت المرحلة الانتقالية بين الصيد والترحال وبين الاستقرار الزراعي. وهؤلاء لم يكونوا مهندسين بالمعنى الانشائي بل كانوا مستكشفين بيئيين عاشوا في أكواخ دائرية بسيطة محفورة جزئيا في الأرض ، وكأنهم لم يجرؤوا بعد على الانفصال الكامل عن رحم الطبيعة.

كانت عمارة النطوفييون عمارة عفوية تهدف لتوفير مأوى مؤقت حول نبع “عين السلطان” دون طموح في بناء هيكل مدني متكامل.

 

” العمارة هي سجل الوجود الإنساني، وفي أريحا الفلسطينية كتب السطر الأول في هذا السجل بمداد من طين النبع وحجر الجبل، ليعلن ولادة المدينة كفعل مقاومة للفناء وتحد لقوانين المادة”

 

الانعطاف الحقيقي: النيوليتيون وبداية العمارة المنظمة

وهنا تبرز ملاحظة نقدية مهمة في علم الآثار ألا وهي: أريحا لم تتحول الى مدينة بيد النطوفيين الأوائل ، بل بيد النيوليتيين ( سكان العصر الحجري الحديث – PPNA). النيوليتيون هم الذين أخذوا ارث النطوفيون في ملاحظة الموقع وطوروه الى إرادة معمارية.

حدث هذا التحول نتيجة الثورة الزراعية، فالانسان الذي استأنس الأرض أصبح لديه ما يخشى فقدانه، وهذا الخوف الإيجابي هو المحرك الأول للعمارة. بعدها انتقل النيوليتيون من سكن الأكواخ الهشة الى تشييد بيوت من طرب اللبن اليدوي. وأسسوا لأول مرة فكرة:

  • الفراغ المحمي
  • التمييز بين العام والخاص
  • نواة النسيج الحضري

 

برج أريحا: التوجيه والظل

يعد برج أريحا الحجري بارتفاع 8 متر تقريبا أقدم بنية رأسية معروفة في التاريخ. وظيفته ما زالت موضع نقاش علمي، لكن من المؤكد أنه لم يكن عنصرا عشوائيا.

تشير بعض الدراسات الأثرية الحديثة الى احتمال وجود علاقة بين توجيه البرج وحركة الشمس. خصوصا في فترة الانقلاب الصيفي حيث يتزامن ظل الجبال المجاورة مع كتل البرج، ولكن هذه القراءة لا تؤكد وظيفة فلكية حاسمة ولكنها تكشف وعيا بصريا وزمنيا لدى مجتمع زراعي يعتمد على المواسم.

 

الدرج الداخلي: حل انشائي مبتكر

يضم البرج سلما داخليا من 22 درجة حجرية، منحوتة داخل الكتلة نفسها ، انشائيا يعتبر هذا حلا ذكيا حيث أن :

  • الكتلة المحيطة تعمل كدعامة طبيعية.
  • الأحمال موزعة دون عناصر منفصلة.
  • استقرار طويل الأمد.

هنا تظهر العمارة كحل للمشكلة وليس كزخرفة.

 

هندسة الأسوار: فلسفة الفصل والوصل

سور أريحا العظيم لم يكن مجرد سوار بل كان أول بيان سياسي ومعماري في التاريخ. بارتفاعه الذي وصل الى 5 أمتار، فقد فرض السور فصلا بين الداخل المنظم والخارج المجهول. انشائيا استخدم النيوليتيون تقنية الحجر الجاف واعتمدوا على الكتلة الوازنة لمقاومة الهزات الأرضية في منطقة الغور. أما الخندق المنحوت في الصخر بعمق 2.7 متر تقريبا فيعد معجزة بشرية اذ تم حفر آلاف الأطنان من الصخر الصلب باستخدام أدوات حجرية بدائية فقط. هذا الخندق يثبت أن الدقة الانشائية كانت نتاج إرادة جماعية ولغة تواصل متطورة سمحت بتنظيم مئات العمال لفترات طويلة.

 

النسيج العمراني لمدينة أريحا

المنزل لفي مدينة أريحا النيوليتية لم يكن وحدة منفصلة، وانما كان جزءا من نسيج متضامن. فقد تلاصقت البيوت ببعضها البعض لتشكل حماية حرارية متبادلة وكذلك دعما انشائيا. كما توجد بعض التفاصيل الذكية الأخرى التي ميزت منازل مدينة أريحا الأولى وهي:

  • أنه تم تخصيص أفنية مفتوحة لتصريف الدخان من أجل الطهي.
  • فحات تهوية صغيرة ومرتفعة.
  • استثمار القصور الذاتي الحراري لطوب اللبن.
  • كل ذلك يشير الى ادراك مبكر لمبادئ الراحة البيئية دون نظريات مكتوبة ومدروسة بالطرق العلمية المتعارف عليها.

 

ان عبقرية الانسان في بناء مدينة أريحا الأولى لا تكمن في تكنولوجيا معقدة وانما تكمن في عبقرية الملاحظة. فقد مهد النطوفييون الطريق بادراكهم العام واختيارهم للموقع، وقام النيوليتيون بنوا المدينة بعقولهم وسواعدهم. لقد فهم الفلسطينيون الأوائل أن العمارة هي محاورة للسماء عبر الدرج ومواجهة للأرض عبر السور.

وعليه يمكننا أن نعتبر أن أريحا هي الدرس الأول الذي أثبت أن المدينة ليست مجرد حجارة متراكمة، بل نظام يربط الانسان بالزمن عبر الشمس وبالأرض عبر الزراعة وبالآخر عبر الجدار المشترك. هي المعجزة التي بدأت من طين النبع وعين الانسان الذي ترقب الأفق.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على Ashlee Merritt إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى