العمارة

من سرق ذاكرة هذه المدينة؟

في العرف المعماري، لا تبنى المدن من الحجر والاسمنت فحسب، بل تشيد من طبقات متراكمة من الذاكرة المكانية. فالمدينة كائن حي يمنح ساكنيه شعورا بالاستمرارية، حيث الجدران ليست حدودا للفراغ، بل سجلات بصرية للأجيال التي عبرت المكان وتركت أثرها، حتى صرنا ما نحن عليه اليوم.

| حين تدمر المدينة، لا يسقط الحجر وحده، بل تسقط العلامات التي كانت تدلنا على أنفسنا!

لكن ماذا يحدث حين يستهدف هذا السجل عمدا بالتخريب؟

وماذا يتبقى من الانسان حين تنتزع منه علاماته المميزة التي تشكل بوصلته الروحية والجغرافية؟

نحن اليوم لا نشهد مجرد دمارا للمنشآت تفرضه آلة الحرب في قطاع غزة فحسب، ولا مجرد مشهد سبق ان عرفه التاريخ في وارسو أو بغداد، بل نقف أمام ظاهرة سوسيولوجيا ومعمارية مرعبة تعرف ب الإبادة المكانية Urbicide .

وهي جريمة لا تكتفي بتهجير الأحياء، بل تسعى الى قتل روح المكان وجعل العودة اليه مستحيلة، لا بسبب الركام وحده، بل بسبب فقدان الذاكرة التي كانت تربط الانسان بالشارع، والبيت، والمئذنة، وبالقوس.

هندسة المحو: حين يصبح التدمير “تصميما عكسيا”

في كواليس الأكاديميات العسكرية الحديثة، لا تعامل المدينة ككتلة بنائية، بل ك نظام معلوماتي معقد يجب تفكيكه. ما يحدث في سياق الإبادة المكانية ليس تدميرا عشوائيا، وانما شكل من أشكال التصميم عكسي Reverse Engineering للمجال الحضري.

التصميم العكسي في العمارة يعني تفكيك النظام القائم لفهم عناصر قوته، ثم تعطيلها بشكل منهجي

 

صورة تاريخية  تظهر الدمار الشامل لساحة المدينة القديمة في وارسو، مبانٍ مهدمة بالكامل وركام يغطي الساحة، تمثل مفهوم الإبادة المكانية

 

وفقا لدراسات العمارة الجنائية Forensic Architecture ،يعتمد سارقو الذاكرة على ثلاث استراتيجيات رئيسية لضمان محو هوية المدينة:

1. كشر “التسلسل البصري” Visual Continuity

حيث يتم استهداف المباني المميزة التي تمنح الشارع استقامته التاريخية.

فحين يسقط مبنى بصري مألوف، بفقد السكان تدريجيا قدرتهم على قراءة المكان، فتتحول المدينة في ذاكرتهم الى أكوام من الركام لا رابط بينها.

المدينة التي لا تقرأ بصريا، لا تستعاد ذهنيا.

 

2. محو “الطبقات الزمنية”

المدينة العريقة ليست بناء واحدا بل هي Palimpsest أي مخطوطة تراكمت فوقها طبقات الزمن ،

فعندما يدمر معلم أثري لا يسقط الحجر لوحده وانما يحذف “برهان مادي” على قرون من الوجود. فالهدف هنا هو تستطيح الزمن أي تحويل المدينة من قصة حضارية ممتدة الى مساحة فارغة بلا هوية مما يسهل استبدال ذاكرة سكان المدينة الأصليين برواية غريبة تفرض فوق الأنقاض.

 

3. تدمير “الفراغ الاجتماعي” Social Voids

استهداف الساحات العامة والأسواق والمقاهي العتيقة ليس مصادفة.

فهذه الفراغات هي التي تنتج الذاكرة الجمعية، وبتدميرها يتم تحويل المجتمع من كتلة متماسكة الى افراد مشتتين ،يبحثون عن مأوى لا عن وطن

| عندما ينهار الفراغ الاجتماعي، تنهار فكرة المدينة نفسها.

 

هذا “التصميم العكسي” يهدف الى الوصول لنتيجة واحدة ألا وهي مدينة صامتة ببرود لا تحكي شيئا لمن يراها مما يسهل عملية زرع رواية جديدة فوق أنقاضها.

لوحة زيتية تاريخية بإطار ذهبي تظهر مشهداً بانورامياً لمدينة تاريخية على ضفاف النهر، تُستخدم كمرجع تاريخي لإعادة إعمار المدن المدمرة
 

وارسو 1945: حين هزمت اللوحات الزيتية آلات الدمار

يقدم لنا التاريخ درسا قاطعا في أن المدينة لا تموت طالما بقي مخططها الذهني حيا في أذهان ساكنيها ، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية بلغت نسبة الدمار في قلب وارسو التاريخي 85% ، لم تكن مجرد أنقاض بل كانت محاولة نازية صريحة لمحو الهوية البولندية من الجغرافيا.

لكن ما حدث لاحقا كان فعلا اعجازيا عن المقاومة المعمارية.

فقد لجأ المعماريون والطلبة البولنديون الى ذاكرة المدينة الموثقة للمدينة فاعتمدوا على لوحات الفنان كاناليتو التي رسمها في القرن الثامن عشر، وعلى مخططات خبأها الطلبة في المزارع تحت الأرض قبل التدمير.

لم تبن وارسو ككتل خرسانية حديثة وسريعة، بل أصر المجتمع المعماري على إعادة بناء المدينة القديمة بتفاصيلها الدقيقة بحجرها ومنحنايتها وألوانها ، فكان الهدف هو استعادة “الطبقات الزمنية” التي حاول العدة تسطيحها.

واليوم تدرج اليونسكو قلب وارسو ضمن التراث العالمي لا لقدم احجاره- فقد بنيت في الخمسينيات – بل لكونها نموذجا فريدا على إعادة بناء ذاكرة حضارية كاملة.

 

الذاكرة التي لا تقبل المصادرة

في نهاية المطاف، تخبرنا الشواهد التاريخية أن سارقي الذاكرة قد ينجحون في تحويل الجدران الى ركام، لكنهم يفشلون حتما في احتلال الفراغ الذي تتركه تلك الجدران في الوجدان.

 فالإبادة المكانية برغم وحشيتها التقنية دائما ما تصطدم بحقيقة معمارية ثابته وهي: أن المدينة فكرة، والفكرة لا تهدم.

ان الخطوط الذهبية التي ترسم اليوم في مخيلة المعماريين، وفي ذاكرة الناجين، هي المخطط الحقيقي الذي سيعيد بناء البيوت والمساجد والمستشفيات والأزقة .

لقد سرقت المادة من الحجر لكنهم عجزوا عن سرقة المعنى .

وكما نهضت وارسو من لوحاتها الفنية ستنهض مدننا من ذاكرتنا.

 

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى