التخطيط

بابل | عبقرية النسيج المتضام قبل 2600 عام

لم تكن المدن العظيمة يوماً وليدة الصدفة، بل كانت تجسيداً لقدرة الانسان على صياغة الفراغ بما يضمن الأمان، والعمل، والاستمرار. في الوقت الذي يتخبط فيه التخطيط المعاصر بين العشوائية والتبعية، تقف مدينة بابل كأول برهان تاريخي على عبقرية المخطط الذي يسبق البناء، فبابل لم تكن مجرد تجمع سكاني، بل كانت أول مدينة مليونية بمعايير عصرها، حيث كسر سكانها حاجز ال 200 ألف نسمة لتقدم للعالم درساً في كيفية تحول الأرض السهلية الرملية الى عاصمة امبراطورية تدار بالهندسة والفكر الاستراتيجي.

كشف النقاب عن المدينة

لم يكن العالم ليعرف تفاصيل بابل لولا الجهود الأثرية المنهجية التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر

  • البعثة الألمانية: قاد عالم الآثار الألماني روبرت كولدفاي Robert Koldeway بعثة في الفترة ما بين 1899 و 1917. وهي البعثة التي وضعت بابل تحت مجهر العالم الحديث.
  • منهجية العمل: تمكنت البعثة من اكتشاف مخطط المدينة عبر الحفر الدقيق لأسوارها، وبواباتها، وقصورها. هذا الاكتشاف لم يكن مجرد العثور على أطلال بل كان كشفاً لأول كود تخطيطي في التاريخ.
    حيث أظهرت المخططات أن بابل كانت تقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات قبل أن يتسبب النمو السكاني في امتدادها للضفة الأخرى. مما استدعى توسعة الأسوار والخنادق المائية لتشمل “بابل الجديدة”.

الوصف المعماري والحضري للمدينة

على مساحة شاسعة تبلغ 850 هكتاراً أي نحو 10 ملايين متر مربع تجلت عبقرية التخطيط في تقسيم المدينة الى وحدات وظيفية دقيقة:

  • النسيج المتضام والمناخ: اعتمد البابليون النسيج المتماسك، حيث تلاصقت البيوت دون فراغات بينية فيما بينها، مما قلل من المساحات المعرضة للشمس. وكانت الشوارع كذلك عبارة عن شوارع فرعية ملتوية ولم تكن عشوائية بل كانت وسيلة ناجحة لكسر سرعة الرياح وتوفير ظلال تقي من حرارة الصيف المرتفعة.
  • التدرج الهرمي للشوارع: تضمن مخطط المدينة شوارع رئيسية واسعة ومستقيمة مخصصة للمواكب والمسيرات العسكرية، وتتفرع منها طرقاً أقل اتساعاً تقود للحارات السكنية، محققة توازناً بين هيبة الدولة وخصوصية السكان.
  • التحصينات الدفاعية: تم حفر خندق مائي عظيم يحيط بالمدينة لصد الهجمات، يعقبه سور داخلي مدعم ببوابات محصنة مما جعل بابل نموذجاً في الأمن الحضري.

طبوغرافيا المدينة

تكونت مدينة بابل من ثلاث تلال رئيسية وزعت مراكز الثقل الوظيفي وهي كالتالي:

  • تل بابل (الشمال): ويضم قلعة نبوخذ نصر العظيمة، وتعد مركو القرار السياسي.
  • تل القصر (الوسط): ويشتمل على القلعة القديمة التي شيدها نبوخذ نصر، ويمثل القلب الإداري والعسكري.
  • تل العمران(الجنوب): ويضم أكبر معابد المدينة “الايساكيلا”، المخصص للاله “مردوخ” مما جعله المركز الروحي والاجتماعي.

أنواع المباني البابلية

تنوعت العمارة البابلية لتشمل كافة جوانب الحياة، مستخدمة خامات الأرض كالطابوق، اللبن، القار، والصخور.

  • المباني الدينية: وبرز فيها “برج بابل” (الزاقورة) ومعبد الايساكيلا، ومعبد عشتار، حيث كانت العمارة وسيلة للاتصال بالسماء.
  • المباني الدنيوية والقصور: وشملت القصر الشمالي الرئيسي، والقصر الصيفي، وقصر ولي العهد، بالإضافة الى المناطق السكنية التي ضمت بيوتاً وصلت في ارتفاعها الى أربعة طوابق.
  • البنية التحتية: وأهمها “شارع الموكب”، والجسور التي ربطت ضفتي الفرات، والمتاريس النهرية لتقوية الضفاف ضد الفيضانات.
  • الروائع الهندسية: تعد الحدائق المعلقة من عجائب الدنيا، والتي مثلت ذروة الهندسة الميكانيكية في إدارة المياه والري الطبقي.

لم تكن بابل نبوخذ نصر مجرد أطلال فحسب وانما هي مرجع لمعماريي اليوم في صياغة مدن سيادية تحترم مناخها، وتحمي سكانها، وتوثق هويتها في الحجر. ان الحفاظ على النسيج المتماسك وتدرج الخصوصية، واستخدام المواد المحلية. هي المبادئ التي يجب أن نستعيدها في خططنا الاستراتيجية الحديثة. تعلمنا بابل أن المدينة الناجحة هي التي تبنى ك”جسد واحد” لا كمجموعة كتل حجرية غير مترابطة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على Edward Huckaby إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى