التخطيط

المعماري كوسيط اجتماعي | فن إدارة النزاع حول المساحة

تنبثق العمارة كلما سعى الوعي الإنساني لاقتطاع حيز من الفراغ الكلي وتأطيره ضمن حدود الملكية، ومن هذه اللحظة التأسيسية يتولد التضاد المكاني. ان الفراغات البينية في النسيج العمراني ليست مجرد أبعاد فيزيائية مجردة بل هي مناطق استقطاب مشحونة بالرغبات المتعارضة للقانطين. هنا يتجاوز الدور الجوهري للمعماري هندسة المسارات الحركية السطحية، ليمتد نحو صياغة البروتوكولات الاجتماعية وتأطيرها مكانياً بحيث يتخذ من الفراغ الرمادي مركزاً لعملياته ومحولاً الصدام حول السيادة المكانية الى معادلة توازن فراغي مستدام. ان كل حل هندسي يخطه المعماري هو في عمقه وثيقة تفاوض تقنية تهدف الى المواءمة بين طموح الذات وحقوق النسيج المجتمعي المحيط.

العمارة كفعل تفاوضي في الفكر المعاصر

تتجلى العمارة في النظرية المعمارية المعاصرة كفعل تفاوضي Architectural Negotiation بامتياز، حيث استبدلت بنظرة المبنى ككيان معزول برؤية تعتبره عضواً حيوياً في سياق حضري متكامل. ومن هنا تبرز محورية التصميم التشاركي Participatory Design وهو المنهج الذي يتجاوز القشور التقليدية لاستطلاع الرأي نحو اشراك المستخدمين الفعليين في صياغة القرار الفراغي.

أكاديمياً يصنف المعماري اليوم كخبير في السياسات المكانية Spatial Politics وهي الممارسة التي تعتمد على تحليل الفراغ بناء على موازين القوى ، فمن يملك الامتياز البصري؟ ومن يسيطر على التدفق الحركي؟ ومن يمنح حق السيادة على الضوء؟ ان فهم هذه التوازنات هو ما يسمح للمعماري بتقديم حلول تتسم بالعدالة المكانية.

أنماط النزاع الفراغي وجدلية “الأنا” مقابل السياق

يتخذ النزاع حول المساحة في الممارسة المهنية شكلين جوهريين يتطلبان معالجة دقيقة:

  • صراع الوظيفة والخصوصية: يظهر بوضوح عند تصادم رغبة المالك في الانفتاح البصري مع حق الجار الأصيل في الاحتجاب والخصوصية. وهنا تكمن براعة المعماري ابتكار مساحات وسيطة ذكية تحقق التبادل البصري دون انتهاك الحرمات المكانية.
  • صدام الهوية والروح العامة: يتجسد في مواجهة الأنا المعمارية للمصمم أو المالك التي قد تسعى لتميز صارخ مع روح المكان والسمات التاريخية للحي. ويمكن تحقيقها بالتميز المتوافق الذي يحترم الإيقاع العام للمدينة ويمنع تحول التفرد الى عدوان بصري.

تحول المعماري الى وسيط اجتماعي

تقتضي الضرورة المهنية بتحويل فكر المعماري من فرض الرؤية الذاتية الى وسيط اجتماعي يمتلك القدرة على فك شفرات النزاعات السوسيولوجية. وتبرز عبقرية التصميم في تحويل التضارب الى حلول انشائية غير صفرية بحيث يحصل كل طرف على مكتسبات فراغية دون تكريس شعور بالهزيمة او الاستلاب المكاني.

تعتمد هذه المقارنة على ما يسيمه المعماري والمفكر كريستوفر ألكسندر في كتابه لغة الأنماط A Pattern Language ب” حل الصراعات عبر النمط المعماري” حيث يساهم التصميم في تقليل الاحتكاك البشري وزيادة فرض التآلف. ان المعماري الذي ينجح في إدارة هذا النزاع هو الذي يؤسس لعمارة صادقة وعادلة، قادرة على البقاء زمنياً لأنها لم تبن على تهميش الآخر بل على استيعابه داخل المنظومة الفراغية.

تتجلى قيمة المعماري كوسيط اجتماعي في نماذج عالمية نجحت في ترجمة النزاعات البسوسيولوجية المعقدة الى حلول فراغية عبقرية، ومن أبرز هذه النماذج التي تستوجب القراءة المعمارية المعمقة:

  • أليخاندرو أرافينا ومشروع Quinta Monroy: يمثل هذا المشروع نموذجاً لحل المعضلة بين محدودية الميزانية الحكومية والحق في التوسع المستقبلي عبر ابتكار صيغة نصف المنزل الجيد، لم يفرض أرافينا نموذجاً سكنياً ضيقاً، بل صمم اطاراً انشائياً يسمح للمستخدم بالتفاوض مع حاجته للمساحة عبر الزمن محولاً العمارة الى بيئة تمكينية لا مجرد جدران جامدة.
  • هيرمان هيرتزبرغر ومبنى Centraal Beheer: جسد هيرتزبرغر مفهوم لغة الأنماط عبر معالجة النزاع التقليدي بين الحاجة للخصوصية الفردية وضرورة التفاعل الجماعي في بيئات العمل من خلال تقسيم الكتلة الإدارية الى وحدات تحاكي النسيج الحضري للحارات. وقد استطاع خلق توازن فراغي يقلل الاحتكاك البشري ويزيد من فرص التآلف التلقائي دون تهميش لسيادة الفرد على حيزه الخاص.
  • لوسيان كرول والسكن الجامعي في لوفان: يعد هذا المبنى وثيقة حية على انسحاب الأنا المعمارية لصالح الوساطة الاجتماعية. حيق قام كرول بدور المنسق التقني الذي أتاح للطلاب صياغة تقسيماتهم الفراغية وتشكيل واجهاتهم بأنفسهم، محولاً النزاع بين سلطة المؤسسة وحرية الفرد الى عمارة عضوية تستوعب التناقضات السلوكية داخل منظومة فراغية مرنة وشديدة الصدق.

العمارة هي الفن الذي يفرض نفسه على الجميع، مما يجعل إدارة النزاع حولها مسؤولية أخلاقية تسبق الجمال البصري. ان الانحياز للصواب المعماري والبيئي واحترام حق الجار والحي، هو ما يمنح المبنى شرعيته الحضرية. فعندما نصمم بوعي الوسيط الاجتماعي فاننا لا نبني جدراناً للفصل، بل نصمم الحدود التي تضمن العيش المشترك بكرامة، مؤكدين أن قيمة المعماري لا تقاس بقوة الخطوط على الورق بل بمدى السلام الذي يزرعه في الفراغ الحقيقي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على Ernest Baker إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى