لا يعد المسجد الأقصى المبارك منشأة دينية من الحجر والرخام، وانما هو مركز ثقل الأرض، والمساحة التي تعانق السماء الأرض بأبهى صورها. فهو قبلة المسلمين الأولى، ومسرى النبي محمد عليه السلام، وثاني المسجدين. وبالنسبة للفلسطينيين فالأقصى هو الهوية والعنوان، وهو المساحة التي يتحول فيها الدفاع عن الحجر الى معركة وجودية يومية، حيث يسطر المرابطون بأرواحهم ملحمة أسطورية لحماية هذا الإرث من التشويه والتدنيس، مؤكدين أن قدسية المكان تنبع من عقيدة راسخة ترفض الانكسار.
مراحل بناء المسجد الأقصى
مر المسجد الأقصى بعدة مراحل تاريخية بين ازدهار وابتلاء شكلت هويته المعمارية الحالية
- البناء الأول: وضعته الملائكة أو آدم عليه السلام بعد المسجد الحرام ب 40 عاماً.
- العهد الأموي: هو العصر الذهبي لعمارة الأقصى، حيث بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة، وأتم ابنه الوليد بناء الجامع القبلي.
- الاحتلال الصليبي: عام 1099 م، تم تدنيس المسجد وتحويل أجزاء منه الى كنائس ومخازن واسطبلات للخيول.
- التحرير الصلاحي: حين أعاد صلاح الدين الأيوبي تطهير المسجد وترميمه عام 1187م، وجلب منبره الشهير من مدينة حلب.
- العهد العثماني: اهتم السلاطين العثمانيين وخاصة سليمان القانوني بترميم الأسوار والواجهات الخزفية لقبة الصخرة.
- الاحتلال الصهيوني: منذ عام 1967م يرزح المسجد تحت نير الاحتلال، مواجهاً محاولات التقسيم الزماني والمكاني والحفريات التي تهدد أساساته.

المسجد الأقصى: المساحة والحدود
يحتل المسجد الأقصى الزاوية الجنوبية الشرقية من مدينة القدس المسورة، وهو عبارة عن مساحة شبه مستطيلة تبلغ حوالي 144 دونماً أي 144.000 متر مربع.
- الأبعاد: يبلغ السور الغربي 491 متراً، والشرقي 462 متراً، والشمالي 310 متراً، والجنوبي 281 متراً.
- مباني المسجد الأقصى: وهو كل ما دار عليه سور المسجد من مصليات وقباب وأسبلة وأروقة وبوائك.

البوائك: القناطر التي تؤطر الجمال
الوائك أو الموازيين هي صفوف من الأعمدة المتصلة بقناطر، تقع فوق الدرجات التي تقود الى صحن الصخرة المشرفة، ويبلغ عددها 8 بوائك في المسجد الأقصى، وأشهرها وأجملها البائكة الجنوبية وتتكون من 3 قناطر وتحتوي في وسطها على مزولة شمسية لمعرفة أوقات الصلاة. وتعود في بنائها الحالي للعهد المملوكي.
المصليات والمنشآت الداخلية
يضم المسجد الأقصى داخل سوره على عدة مصليات كبرى وهي
الجامع القبلي (الجامع المسجد)
يمثل العمق التاريخي والانشائي للمسجد، ويتميز بتخطيطه البازيلكي الممتد عبر 7 أروقة طولية متقاطعة مع رواق عرض، يعلوه قبة رصاصية بقطر 14 متراً. هندسياً هو كتلة احتواء ضخمة صممت لتوجيه المصليين نحو القبلة عبر صفوف الأعمدة الرخامية المتراصفة.
قبة الصخرة
تجسد النسبة الذهبية في أبهى صورها، فهي مبنى مثمن الأضلاع يحمل قبة خشبية مزدوجة بقطر 20 متراً مغطاة بصفائح نحاسية مطلية بالذهب. وتعتبر معمارياً ثورة في الشفافية البصرية، حيث تتربع فوق صحن مرتفع يربط كافة محاور الحرم البصرية بمركزية الصخرة الطبيعية.
المصلى المرواني
يقع تحت الأرض في الجهة الجنوبية الشرقية، وهو أكبر مساحة مسقوفة في المسجد. ويعتبر معجزة انشائية تعرف بالقباب السفلية، وتتكون من 16 رواقاً قائماً على دعامات حجرية ضخمة. وظيفته الأصلية كانت تسوية الانحدار الطبوغرافي لهضبة الحرم لخلق السطح العلوي المستوي. ويمثل أضخم فراغ مسقوف في المسجد الأقصى بقدرة تحمل انشائية هائلة.
الأقصى القديم
يقع تحت مستوى الجامع القبلي الحالي، ويمثل ممراً يربط بين الباب المزدوج وساحات الحرم. هندسياً يتميز بالقباب المروحية الأموية المتطورة والأعمدة الضخمة التي تحمل أحمال المسجد العلوي، مما يجعله تجسيداً لذكاء المعماري في التعامل مع الطبقات الجيولوجية والأثرية المتعددة.

أبواب المسجد الأقصى
للمسجد الأقصى 15 باباً، منها 10 أبواب مفتوحة تقع في الجهتين الشمالية والغربية، و5 أبواب مغلقة في الجهتين الشرقية والجنوبية.
- الأبواب المفتوحة: وهي باب الأسباط، حطة، العتم، الغوانمة، الناظر، الحديد، القطانين، المطهرة، السلسلة والمغاربة.
- الأبواب المغلقة: أشهرها الباب الذهبي أو ما يسمى بباب الرحمة الذي يمثل نموذجاً للعمارة الأموية الضخمة المدمجة في السور.
تظل عمارة المسجد الأقصى تجسيداً حياً لمرونة الحجر وفلسفة البقاء، فهي ليست مجرد كتل انشائية صماء وانما نسيج عمراني يدمج التاريخ بالقداسة والوظيفة بالرمزية. ان عبقرية التعامل مع الطبوغرافيا في المصليات السفلية، ودقة النسب في قبة الصخرة، تؤكد أن الأقصى هو الشاهد الأول الذي صاغ هوية المدينة. وفي ظل محاولات المحو المستمرة تبرز كل قنطرة وكل مدماك حجر كوثيقة هندسية غير قابلة للتزوير، تثبت أن سيادة المكان تبنى بالوعي المعماري بقدر ما تحمى بالرباط.




