لم تكن مخيمات اللاجئين خياراً معمارياً على الاطلاق، وانما كان سقوطاً مفاجئاً في الفراغ. بدأت الحكاية في نكبة عام 1948، حين أجبر الفلسطينيون على مغادرة مدنهم وقراهم ليجدوا أنفسهم أمام قطعة أرض جرداء وزعتها عليهم الأونورا UNRWA. هناك ولدت عمارة المخيم من رحم الحاجة، بدأت بخيمة من القماش، كانت تمثل المؤقت الذي ينتظر العودة غداً. لكن الغد امتد ل8 عقود، لتتحول الخيمة الى وحدة بنائية من الخرسانة شاهدة على أكبر عملية اقتلاع في التاريخ الحديث.

جغرافيا الشتات في المخيمات
يتوزع اللاجئون الفلسطينيون على 58 مخيماً رسمياً تشرف عليها UNRWA، تمثل جزراً من الكثافة الخانقة وسط محيط حضري قد يرفضها أحياناً، وتنقسم جغرافياً الى:
- داخل فلسطين: وتضم 27 مخيم مقسمة الى مخيمات الضفة الغربية التي تبلغ 19 مخيماً، ويبرز مخيم بلاطة في مدينة نابلس بكثافة تقارب 30.000 لاجئ على لا تتعدى ربع كيلو متر مربع. ومخيمات قطاع غزة التي تبلغ 8 مخيمات، ويعد مخيم جباليا كأحد أكثر البقع اكتظاظاً في العالم حيث يتجاوز ساكنيه 116.000 لاجئ على مساحة 1.4 كيلو متر مربع.
- خارج فلسطين (دول الطوق): وتبلغ 31 مخيماً مقسمة الى مخيمات الأردن التي تبلغ 10 مخيمات وأبرزها مخيم البقع، ولبنان التي تبلغ 12 مخيم وأبرزها مخيم عين الحلوة الملقب بعاصمة الشتات، وسوريا التي تبلغ 9 مخيمات، ويظل مخيم اليرموك الشاهد الأكبر على مأساة اللجوء المتكرر رغم فقدانه لغالبية سكانه الذين يتجاوزون 160.000 بسبب الحرب.
هذه المخيمات ليست مجرد تجمعات سكانية وانما مدن استثنائية تحكمها قوانين سياسية قبل أن تحكمها قوانين التخطيط الحضري.

فلسفة عمارة المخيم
رحلة المخيم المعمارية هر رحلة تصلب. ففي الخمسينيات استبدلت الخيمة بوحدات سكنية على هيئة غرف طينية أو كرافانات معدنية بمساحات ضيقة لا تتجاوز 9-12 متراً مربعاً للعائلة الواحدة. ومع مرور الوقت وفقدان الأمل في العودة الى المدن والقرى الأصلية بدأ اللاجئ يبنى جدراناً من الخرسانة.
بالمعايير المعمارية الصرفة بمكن تصنيف المخيم كفشل انشائي مقصود أو عمارة بلا معماري. فنحن أمام بيئة عمرانية نشأت من الضرورة الحيوية لا من الرفاهية التصميمة. ويشير الباحث المعماري ساري حنفي في أطروحاته حول سيادة الفضاء الى أن المخيم هو فضاء استثنائي. معمارياً الخيم يعاني من انعام الخصوصية البصرية والسمعية، فالجدران المشتركة ليست خياراً هندسياً. هذا التلاصق يقتل الفراغ الثالث ويحول الزقاق من ممر مشاة الى رئة مخنوقة تفتقر لأدنى معايير التهوية والاضاءة الطبيعية.
الوضع القانوني للمخيمات
تكمن المعضلة الحضرية الكبرى في كون المخيمات لا تخضع لتنظيم البلديات، فالمخيم يقع في منطقة رمادية قانونياً، فهو لا يتبع المخطط الهيكلي للمدينة لأن دخوله ضمن التنظيم البلدي يعني التوطين والتخلي عن صفة اللاجئ. لذلك تظل خدماته كمياه وصرف صحي وكهرباء ضمن مسؤولية UNRWA أو اللجان الشعبية.

عمارة الحرمان الممنهج
لم يكن بقاء المخيم على حالته المتهالكة مجرد لنقص الموارد، بل كان سياسة معمارية قسرية فرضتها ارادات دولية ومنظمات أممية. لقد مورست ضغوط هائلة لضمان عدم تحسين الظروف المعيشية أو تطوير الفراغ المعماري، تحت ذريعة أن أي أنسنة للمخيم أو توسعة للمساكن تعني بالضرورة التوطين ونسيان حق العودة.
هذه المقاربة حولت العمارة الى أداة سياسية لتعذيب اللاجئين، فمرور أكثر من سبعة عقود لم يشفع لتطوير المخيم، بل وصل الأمر الى ذروة العبث في حالات إعادة الاعمار الشاملة، كما في مخيم نهر البارد في لبنان. هناك ورغم هدم المخيم بالكامل وامتلاك فرصة تاريخية لتصحيح الأخطاء العمرانية وتحسين معيشة المواطنين. صممت المخططات لتعيد انتاج ذات المخيم بذات صغر المساحة والضيق الخانق بأزقة لا تتسع حتى لمرور الضوء الى المساكن من خلالها، في إصرار دولي على أن يظل اللاجئ حبيس عمارة الاستثناء.
ان إعادة بناء بناء المخيم كما كان بكل عيوبه التصميمة والانشائية هو اعتراف صريح بأن المجتمع الدولي يتعمد استدامة البؤس المكاني كرهينة سياسية متجاهلاً أبسط معايير الكرامة الإنسانية التي كفلتها القوانين التي وضعها هو نفسه.
تظل عمارة المخيم عمارة معلقة بين ذاكرة الأرض المفقودة والواقع المرير، فهي الفراغ الذي يرفض التنظيم لكيلا بفقد حق العودة، والكتلة التي تصر على البقاء لتشهد على الحق المسلوب. ان الزقاق الضيق والجدران المتلاصقة ليست مجرد تشوهات حضرية، بل هي أرشيف مادي يوثق الصمود في وجه المحو.




