
سايكس بيكو | كيف أعادت الجيوساسية رسم العمارة العربية؟
كانت منطقة الشرق الأوسط قبل عام 1916 تعمل ككتلة جغرافية موحدة تحت سيادة الدولة العثمانية، حيث كانت جميع الولايات كحلب وبيروت وبغداد مرتبطة بشبكة اقتصادية واجتماعية بلا عوائق مادية تعيق حركة البشر أو الأفكار. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى تحولت المنطقة الى ساحة تصفية حسابات دولية انتهت باتفاقية سايكس بيكو التي لم تكتف برسم حدود سياسية، بل أعادت هندسة المجال الحيوي عبر تقسيم التركة العثمانية. أدى هذا التقسيم الى ولادة دول تحت الانتداب كسوريا ولبنان والعراق وفلسطين، وفصلها عن العمق التركي والحجاز والجزيرة العربية ومصر، مما خلق أكثر من 20 كياناً سياسياً وجغرافياً جديداً بحدود مرسومة مادياً. هذا التحول لم يكن ادارياً فحسب بل كان بتراً معمارياً حول المدن من مراكز حضرية متصلة عضوياً الى وحدات إدارية معزولة تخدم استراتيجيات القوى المنتصرة.
تحطيم سايكس بيكو للمسارات التاريخية
كانت المدن الكبرى في المشرق العربي تعمل كتروس في آلة واحة، فالحرفي في حلب والمقاول في الموصل وقد يكون التاجر في دمشق يتحركون معاً ضمن نسيج انشائي واقتصادي موح. بعد التقسيم فرضت حدود اصطناعية قطعت هذه الشرايين الحيوية. وقد كان الهدف من سايكس بيكو هو عزل كل منطقة جغرافية لسهولة ادارتها ومنع نشوء أي تكتل إقليمي قادر على المنافسة.
ونتيجة لذلك فقد تحولت المدن الى جزر معمارية، فبدلاً من التكامل بين حلب والموصل. أصبحت كل مدينة تتبع مركزاً سياسياً مختلفاً كلندن وباريس. مما أدى الى توقف الخبرات المعمارية التقليدية وظهور الفوارق في مواد البناء والتقنيات المستخدمة بناءً على ما توفره الدولة المنتدبة. مما أدى لتمزيق وحدة الهوية البصرية للمنطقة.

استراتيجية الاختراق الحضري
تميزت المدينة العربية التقليدية بكتلة عمرانية متراصة تعتمد على الأزقة الضيقة والمنكسرة التي توفر حماية ذاتية وخصوصية عالية. يمثل هذا النمط عائقاً أمام حركة الآليات العسكرية ونظام الرصد الأمني للقوى الجديدة. وقد كان الهدف من سايكس بيكو تسهيل السيطرة الأمنية وسرعة تحريك الامدادات العسكرية من مراكز القيادة الى أطراف المدن.
وعليه فقد تم شق محاور طرق واسعة ومستقيمة تخترق الأنسجة القديمة وتدمر ترابطها. لم تصمم هذه الطرق لتلبية حاجة السكان بالدرجة الأولى، وانما لخلق نقاط رصد مكشوفة تنهي الغموض المكاني للمدينة، نتج عن ذلك تحول الشوارع من فضاءات اجتماعية الى ممرات أمنية مكشوفة، مما جعل الأحياء السكنية عبارة عن كتل منفصلة يسهل عزلها وتطويقها عند الضرورة.
العمارة كأداة لإثبات السيادة
كانت العمارة المحلية تعبر عن بيئتها ومناخها لكن مع وصول القوى الدولية حسب اتفاقية سايكس بيكو. تم ادخال طرز معمارية أوروبية ثقيلة مثل الطرز الكلاسيكية والباريسية لتشييد المقار الإدارية والسكنية للنخب الجديدة. بهدف تكريس هيبة القوى الدولية بصرياً واشعار السكان المحليين بعظمة المركز الاستعماري وتفوقه التقني.
ونتيجة لذلك نشأت مراكز المدن غريبة تماماً عن محيطها، حيث المباني الحكومية الضخمة والميادين الواسعة التي تحاكي ميادين أوروبا. نتج عن ذلك فجوة بصرية واجتماعية، فالمواطن يتحرك في مدينة لا تشبه تاريخه، مما رسخ من فكرة التبعية الثقافية من خلال العمارة، وجعل العمارة وسيلة لفرض النظام والانضباط بدلاً من التعبير عن الهوية المحلية.
الشرق الأوسط الجديد
يتحدث المحللون اليوم عن شرق أوسط جديد يتم فيه استبدال الحدو الترابية القديمة بحدود اقتصادية وتكنولوجية. فالعمارة الحالية في المشاريع الكبرى لم تعد تسعى للتميز القومي بل للاندماج في السوق العالمي. هنا تحول الهدف الى تحويل المدن الى منصات اقتصادية آمنة كلياً وخاضعة للرقابة التكنولوجية لضمان تدفق الاستثمارات. مما أدى الى ظهور المدن المسورة والمجمعات المعزولة التي تفصل بين الطبقات مع الاعتماد الكلي على الشفافية الزجاجية لصالح عولمة العمارة، حيث يتم التحكم في السكان عبر الخوارزميات والتخطيط الرقمي، تماماً كما تم التحكم فيهم سابقاً عبر تقسيم الحدود وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو.
ان ما بدأ بحدود تقسيم سايكس بيكو عام 1916 لم يتوقف عند رسم الخرائط، بل تطور ليصبح نظاماً هندسياً عالمياً يتحكم في كيفية بناء وإدارة المدن. فالعمارة هنا ليست فناً بل هي اللاعب الأهم على رقعة الشطرنج الجيوسياسية التي تحدد أين يسكن البشر وكيف يتم رصدهم. وتعتمد هذه المنظومة اليوم على التشفير المكاني، حيث تبنى المدن كجزر استثمارية معزولة تفصل بين الطبقات وتخلق نهايات مسدودة تكنولوجية، مستبدلة الأدوات الاستعمارية التقليدية الى خوارزميات استعمارية ذكية. في هذا السياق تصبح الشفافية الزجاجية والمدن الشبكية ضرورات أمنية لضمان الرصد الشامل والتحكم في تحركات المواطنين. بذلك تظل العمارة هي المحرك الصامت الذي يحدد جدوى المنظومات السياسية، بناءً على قدرة الفراغ الحضري على الاحتواء أو التفتيت مما يجعل المعماري شريكاً تقنياً في صياغة الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر.



